أمريكا.. هكذا تسرق العالم لكي تعيش..!

 

“لقد تراجعت قيمة العملة، وزاد التضخم، وبما أن تخصصك الاقتصاد، فأنت تعلم أنها كلها مصطلحات فنية لإخفاء الحقائق السياسية التي نعيشها”، قلتُ له.

سأل باستهجان: “وما هي هذه الحقائق؟”.

كان صديقي يعرف إلى أي نقطة أريد الذهاب بالحوار، لكنه -بطبيعة الحال- لم يكن متفقا معي.

قلت له: “من يملك حق طبع الدولار يستطيع سرقة مدخرات العالم كله. أعرف أن ثمة نقاشًا كبيرًا حول السياسات الاقتصادية الداخلية لكل بلد يعاني من أزمات اقتصادية، لكن وسط احتشاد المصطلحات الفنية تضيع الحقائق الصلبة. يا صاحبي، هناك من يسرقنا ليمول إنفاقه الهائل على تكاليف البقاء في القمة”.

هذا منطق السوق المفتوح، عليك أن تتحمل خسائره مثل ابتهاجك بمنافعه“، قال لي بشكل مقتضب مصحوب بالتذمّر.

ربما يكون غوته هو الذي قال: “لا يكون المرء في البداية، ضد شيء، أشد مما هو ضد أغلاط تخلّى عنها”، لكن الأكيد أن صديقنا هذا، الذي سيبدو لكم من أشد المدافعين عن النموذج الأميركي لرؤية العالم، كان يساريا قبل أن يسافر إلى أميركا منذ خمس عشرة سنة.

هذه هي أميركا. قادرة على صدم الناس بعد زيارتها، فلا يعودون كما كانوا قبل دخولها؛ إما أن يعودوا على طريقة “أميركا التي رأيت” فيتحمسون لكل ما هو ضدها، وإما أن تقنعهم بنفسها فينفرون من كل ما هو ضدها. وصديقنا -كما هو بادٍ لكم- كان من الصنف الثاني.

لم يكن الموضوع الاقتصادي هو الذي يشغلني، مع معرفتي التامة أنه لا يمكن فهم كلمة واحدة من الاقتصاد دون وضعها في إطارها السياسي العام، ومن ينسون هذه الحقيقة البدهية ينتهي بهم الأمر كموظفي تسويق بدون رواتب لصالح الرأسمالية!

وعليك أن تتذكر، يا من تطلع على حوارنا هذا، أن الاقتصاد مثل كافة “العلوم الإنسانية”؛ وجهات نظر، وذلك على الرغم من هيبة العلوم البحتة التي تبدو عليها الأرقام.

ستتساءل: لماذا إذن افتتحت النقاش بالبعد الاقتصادي؟ في الحقيقة، كان هدفي التأكد من الذي بقي لدى صديقنا من ماضيه. ومن جملة واحدة، أصبح جليا لي، أن شبح ماركس عنده، قد اختفى تحت تأثير الإنارة الفائقة لـ”المدينة المنيرة على الجبل.”

وسأعلن لك نيّتي منذ البداية. إن حواري مع صديقي، يدور في فلك مسألة “البقاء في القمة”، إنه تساؤل واحد لا غير، لكنه شديد التشعب: هل نشهد نهاية العصر الأميركي فعلًا، أم أننا نشاهد “رغباتنا” في نهاية العصر الأميركي؟

نخب أميركا التي لا يحدها شيء

كان صديقي منشغلا بقراءة قائمة الطعام، أو بالأحرى، بمقارنة الأسعار مع آخر مرة زار فيها تركيا، وكنت أتفحصه من دون أن يشعر. كان شكله يبدو أميركيا بالفعل. وكنت قد سمعت ذات مرة، أن الطعام والأفكار بعد فترة من الزمن، يغيّران شكل الإنسان الخارجي، وهو ما يفسر تشابه شكل الأزواج بعد فترة.

قاطع استرسال أفكاري عن العلاقة بين مظهره وأكله وفكره، وقال لي وهو ما زال محدقا في الأسعار: “سأخبرك نكتة راجت في نهاية القرن التاسع عشر في أميركا: ثلاثة رحالة أميركيين كانوا يشربون نخب بلدهم في حضور مستضيفهم الأجنبي.

قال الأول: هذا النخب لأميركا التي تحدها شمالا كندا، وجنوبا المكسيك، وشرقا المحيط الأطلسي، وغربا المحيط الهادئ. قال الثاني: لا، هذا نخب أميركا التي يحدها من الشمال القطب الشمالي، ومن الجنوب القطب الجنوبي، ومن الشرق شروق الشمس، ومن الغرب غروب الشمس. قال الثالث: أقدم لكم أميركا التي يحدها من الشمال الشفق القطبي الشمالي، ومن الجنوب اعتدال الأيام والفصول، ومن الشرق الفوضى البدائية، ومن الغرب يوم الحساب” ثمّ أخذ بدنه يهتزّ من دون أن يصدر منه صوت ضحك، كأنه يريد أن يعطي انطباعًا بأنها نكتة نخبوية، إن لم تُضحكني فهذا لقصور في فهمي.

وبغض النظر عن أنها لم تكن نكتة مضحكة بالفعل، فإنها معبرة عن ثلاث دفقات من الطموح الأميركي الذي كلما التهم قسطا من الأهداف، صار يحلم بالمزيد منها.

قلت لصديقنا: “في الواقع، هذا قانون طبيعي لكل المشاريع الجادة والحالمة، تبدأ عادة بالخطوة الأولى: حسم الهيمنة على النطاق المحلي؛ وهو الذي تجلى في حالة أميركا في ثلاث مسائل: إبادة السكان الأصليين بالبارود والأمراض، ثم طرد البريطانيين، والحرب الأهلية التي قادها إبراهيم لنكولن لتوحيد بلاده لمّا عارض الجنوب الأميركي (المحافظ والزراعي) مشروع إلغاء الرق. كان لينكولن -وفق تعبيره- يريد عاملا لديه أحلام، أما العبد فبلا أحلام، ولذا لا يصلح لتأثيث العالم الجديد. وهذا كان جوهر مشروع الشمال الصناعي، الذي حسم رؤيته بتكلفة نحو نصف مليون أميركي.

ثم لاحقا الخطوة الثانية: حسم الهيمنة على النطاق الإقليمي؛ الذي تجلى بوضوح في قانون “مونرو” عام 1823، حاسما نفوذ أميركا على نصف الكرة الغربي، ومتدخلا بالقوة لمنع أي دولة منافسة من الوجود في إقليمها. ومع أن أوروبا سخرت منه في البداية، فإنه فيما بعد، ومع رئاسة فرانكلين روزفلت للولايات المتحدة، أصبح حقيقة واقعية.

أما الخطوة الثالثة فهي: حسم الهيمنة على النطاق العالمي؛ وذلك حين أخذت الولايات المتحدة بالتنافس على ترتيب عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية (1941-1991)”.

حين وصلت إلى هذا الحدّ من الشرح، قاطعني صديقنا: “المحلي، الإقليمي، العالمي.. هذا يعني أن الطريق أمام العرب طويل جدا! لكن دعني أسألك: ألم يكن القرن العشرون قرنا أميركيا أيضا؟ صحيح أن أميركا كانت تخشى الاتحاد السوفيتي، لكنه كان يغذي تفوقها، يغذي سرديتها في قيادة العالم الحر، ولذا بعد انهياره، راحت أميركا من فورها تخترع بديلًا له ليكون نقيضا لها، فكان صدام حسين وأسامة بن لادن جاهزين للعب هذا الدور“.

ثمّ أكملت على فكرته: “نعم، لقد قاتلت أميركا بكل قدراتها في القرن العشرين لحسم النطاق العالمي، وكانت التسعينيات تتويجا لهذا الحسم، وأنت تعرف، أنه بدلا من النمط القديم للإمبراطوريات، القائم على الاستعمار المباشر وبناء المستعمرات المكلفة، أخذت في بناء نظام قائم على المؤسسات والاتفاقيات التي تضمن المحافظة على نفوذها، وهذه كانت لا تقل أهمية عن قواعدها العسكرية التي نشرتها في كل مكان في العالم حتى بلغت 700 قاعدة”.

وزدت على ذلك: “بل إن بعضهما يكمل بعضا، وكأن المؤسسات استمرار للحرب بوسائل أخرى، فالأمم المتحدة ضمنت لأميركا شكل الإجماع على قيادتها للنظام العالمي، أما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فكانا من أدواتها في التأكد من إعادة هيكلة الأسواق بما يضمن بقاءها ضمن نطاقها الاقتصادي، ويغري حلفاءها بالبقاء قريبين منها، محتاجين إليها على الدوام، وبنفس الطريقة التي عملت بها على خنق محيط الاتحاد السوفيتي، فإنها اليوم تعطل على الصين حسم إقليمها، بالتحالف مع تايوان والهند وغيرها.

هذا هو نموذج أميركا، الجمع بين الإخضاع عبر التحالفات، والتدخلات العسكرية المباشرة، فحيث لم تنفع الجزرة كانت تتدخل العصا. خذ مثلا تدخلها في قلب حكومة مصدق في إيران، ومنعها لصعود الأحزاب الشيوعية في غواتيمالا، وجمهورية الدومينكان، والبرازيل، وتشيلي، وبنما، والحرب في كوريا، ثم حربها التي خرجت منها على وقع ضربات الفيتكونغ في فيتنام.

كان صديقي يسمع هذا، وهو معجب بالطريقة التي استطاع بها الأميركان السيطرة على العالم، وينتظر النقطة التي سيختلف معي فيها.

“ولك أن تتخيل، أن البلد الذي يسيطر على العالم، يشكّل 5% من حجم السكان. وأنه كذلك، منذ 250 سنة من عمره لم يعش إلا 30 سنة منها في سلام، فهو على الدوام، إما في معركة، أو أنه يعد لأخرى. ليس سهلا أن تقود العالم بدولة كهذه”، قلت له.

وأضفت: “أنت تعرف أن الأميركان أنفقوا 916 مليار دولار في العام المنصرم على الدفاع العسكري، وهي النسبة العليا في العالم، وتزيد على ما تنفقه بقية القوى العظمى على الدفاع مجتمعة. هذه نقطة قوة، صحيح، ولكنها في الوقت نفسه نقطة ضعف. كان بول كيندي (الذي فجر دراسات تراجع أميركا) قد ذهب إلى أن الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ، ابتداءً من الرومانية وحتى البريطانية، تسقط تحت وطأة التكلفة الاقتصادية العالية نتيجة إنفاقها العسكري (مشكلة التمدد الزائد Overstrech)، وعلينا أن نلاحظ كما لاحظ فيرغسون أن دين الولايات المتحدة تجاوز 110% من دخلها القومي، وهذا أعلى مما عرفته بريطانيا في نهاياتها”.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )