المساء اليوم - متابعة: تبدو صورة المعارك في قطاع غزة أكثر تعقيداً من تلك التي يحاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تصديرها على أنها تحقق "نجاحاً هائلاً"، فـ"حجم الأنفاق وتعقيداتها أكبر مما عرفته أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية"، فالأنفاق التي توصف بـ"مدينة كاملة تحت الأرض"، تُمثل كابوسا أمام الاجتياح البري الذي ينفذه الجيش الإسرائيلي بالقطاع، مما يضطر الجنود الإسرائيليون لخوض حرب مزدوجة، فوق وتحت الأرض، وهي تتمثل بحرب شوارع ومعارك بالأنفاق. كما أن "حرب الأنفاق" من أكثر الحروب صعوبة على مستوى التاريخ، حيث يمكن للطرف الذي أنشأ الأنفاق أن يختار المكان الذي ستبدأ فيه المعركة، وغالبا ما يحدد كيف ستنتهي، نظرا لخياراته الواسعة في نصب الكمائن, وفق CNN الأميركية. وفي مقال تحليلي نشره المحلل العسكري عاموس هرئيل، اليوم الأربعاء، بصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ويعتمد في جزء منه على معلومات حصل عليها من قيادات في الجيش، "أنّ جزءاً من النجاحات التي تتحدث عنها إسرائيل قد تكون ناجمة عن محاولات حماس الاحتفاظ بقوتها للمراحل المقبلة من الحرب"، وأن المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها إسرائيل حول الأنفاق في غزة لا تعكس حجمها الحقيقي ومدى تطورها ولا تعقيداتها، ولا تقترب من حجم هذا المشروع على أرض الواقع، وأنّ جزءاً أساسياً من تحقيق النجاح يعتمد على مسألة الأنفاق. وقال "لقد أصبح يتضح تدريجياً للجيش الإسرائيلي أن كل ما عرفته الاستخبارات الإسرائيلية عن منظومة الأنفاق الدفاعية التي حفرتها حماس لا يقترب من حجم هذا المشروع وتعقيداته، والذي ربما يكون الأكبر من نوعه في العالم. وبحسب مسؤولين استخباراتيين في الغرب وفي إسرائيل، فإن قيادة التنظيم والجناح العسكري قاما ببناء قدرات تتيح البقاء في الأنفاق لعدة أشهر"، مُشيراً إلى تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يوآف غالانت بأنّ "إسرائيل طوّرت قدرات تكنولوجية جديدة من أجل تدمير الأنفاق". متاهة إسرائيل في حرب غزة ونقل هرئيل عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، يقودون المعركة في غزة، وعن مسؤولين آخرين ممن يديرونها في هيئة الأركان، أنّ صورة الحرب أكثر تعقيداً مما يتم تصويره، فـ"القيادات في الجيش الإسرائيلي راضية، بل ومتفاجئة للأفضل من المستوى المهني للقوات البرية في الأسبوع الثاني للتوغل البري في غزة. ويثني هؤلاء على العزيمة والروح القتالية (لدى جنود الإسرائيليين) والتعاون بين سلاح الجو والجهات الاستخباراتية، ولكن لا تزال هنالك تساؤلات حول مدى استعداد حماس لمواصلة الحرب حالياً". وذكّرت الصحيفة بأنّ أول أمس الإثنين شهد "حوادث قليلة، بالنظر إلى أنّ قوات الجيش الإسرائيلي تطوّق غزة وتنشط على مشارفها الجنوبية والغربية، وأمس كان القتال أكثر حدة"، واستدركت "هآرتس"، "ولكن لا يزال هناك انطباع بأن حماس تفضّل في بعض الأماكن إبقاء عناصرها في الأنفاق تحت الأرض، وأمام القوات الكبيرة من الجيش الإسرائيلي، إرسال مجموعات صغيرة فقط تركّز على إطلاق صواريخ مضادة للدروع من مسافة قريبة ومحاولة وضع عبوات ناسفة على الدبابات وناقلات الجنود المدرعة. وربما ترغب حماس في الحفاظ على معظم قوتها بهذه الطريقة". ويرى هرئيل أنّ حقيقة رفض حماس في هذه المرحلة أي مفاوضات فعلية بشأن إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الإسرائيليين قد تشير أيضاً إلى أنّ قيادتها لا ترى حالياً أنّ الوضع حرج، مُشيراً إلى أنّ اليومين الماضيين شهدا انخفاضاً معيناً في حجم إطلاق الصواريخ باتجاه منطقة تل أبيب، ومرد هذا الأمر قد يعود لسببين، برأيه، "صعوبة إطلاق حماس صواريخ من شمال غزة في ظل هجمات الجيش الإسرائيلي، والرغبة في ترك ما يكفي من الصواريخ متوسطة المدى للمراحل المقبلة من القتال". ولفت الكاتب إلى أنّ طول مدة الحرب بهذا الحجم من القوات قد لا يستمر طويلاً، وأنّ الولايات المتحدة التي تدعم العملية الإسرائيلية لهزيمة حماس، تضغط في المقابل من أجل هدنات إنسانية أطول، وترسل إشارات إلى أنه في المستقبل القريب ستكون هناك حاجة لدراسة تغيير شكل القتال. في غضون ذلك، تريد القيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي عدة أشهر أخرى لاستكمال عملية ضرب حماس، لا سيما في شمال غزة وتمشيط هذه المناطق بدقة بهدف ضرب المقاومين وجمع الأسلحة. وحول الواقع الذي يريد الجيش الإسرائيلي رسمه لليوم التالي للحرب، قال هرئيل إنّ الإجابات "غير واضحة" في هذه المرحلة. وذكر أنّ التفكير السائد لدى الجيش هو أنه بالإمكان تفكيك القوة العسكرية والتنظيمية لحماس، وليس القضاء عليها كلياً، ذلك أنه لا يمكن القضاء على فكرة أو أيديولوجيا، مع هذا، فإنّ الفكرة السائدة، هي أنّ استمرار الهجمات المكثفة على حماس سيؤدي في النهاية إلى التغيير، وأنّ الضغط المتزايد على تشكيلاتها في شمال القطاع وفقدانها قدراتها العسكرية، "سيعزز تسوية مستقبلية تشارك فيها قوى عربية ودولية، مع إخراج حماس من اللعبة السياسية على الساحة الفلسطينية". ويرى المحلل العسكري الاسرائيلي أن الخطة يكتنفها الغموض إلى حد ما، ومليئة بالفجوات، خاصة ما يتعلق بالمراحل اللاحقة، "لكنها على الأقل تتطرق إلى هذه الأسئلة (حول ما بعد الحرب). فيما يثير نتنياهو استياء الأميركيين، يرفض التحدث معهم عن الأوضاع النهائية المرجوة".