عبد الرفيع حمضي في كل رمضان، تستعيد المساجد في المغرب ذلك النبض الخاص الذي يميز هذا الشهر المبارك عن غيره. تمتلئ الصفوف، تمتد الأرجل في خشوع متفاوت، وتتعالى التلاوات في ليال رمضانية تبدو أكثر صفاء. وليس غريبا أن تختلف كثافة الإقبال من مسجد إلى آخر، تبعا لنبرات صوت الإمام أو طريقته في الترتيل أو أثر دعائه في القلوب. فالدين، في أحد أبعاده، تجربة وجدانية أيضا، والناس تميل إلى حيث تجد أثرها. لكن، خارج أسوار المسجد، يتشكل مشهد مواز… أقل انسجاما مع روح العبادة نفسها. شيئا فشيئا، تتحول محيطات بعض بيوت الله إلى فضاءات مزدحمة، تختلط فيها النية الحسنة بسلوكيات تطرح أكثر من سؤال، سيارات مركونة بشكل عشوائي، طرقات تغلق أو تضيق، ممرات تحتل، وحركة سير تتعثر. وفي أحيان كثيرة، لا يقتصر الأمر على الإزعاج، بل قد يصل إلى عرقلة مرور سيارات الإسعاف أو التدخلات المستعجلة. المفارقة هنا ليست في الإقبال على التراويح، فهو أمر واجب ومحمود، بل في الكيفية التي يترجم بها هذا الإقبال في الفضاء العام. كأننا أمام فصل غير معلن، فداخل المسجد نظام وخشوع، وخارجه ارتباك يبرر بعبارة جاهزة: “خلّي الناس في الصلاة”. غير أن الصلاة، في جوهرها، ليست مجرد أداء شعيرة، بل هي تربية على الانضباط ومراعاة الغير. وقد أسس الفقه الإسلامي منذ وقت مبكر لهذا الترابط، فجعل من قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” أصلا حاكما في تنظيم العلاقات بين الناس، بما في ذلك استعمال الفضاء العام. كما أولت كتب الحسبة، عند الماوردي وابن تيمية، أهمية خاصة لتنظيم الطرقات ومنع التعدي عليها، باعتبار ذلك جزءا من حفظ النظام وصيانة الحقوق. في هذا المعنى، لا ينفصل التدين عن السلوك اليومي، بل يقاس به. فليس المقصود فقط أن نحسن الوقوف في الصلاة، بل أن نحسن أيضا الوقوف في الحياة. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نرتب صفوفنا داخل المسجد، ثم نربك صفوف الشارع خارجه؟ وكيف نقبل لأنفسنا أن نغلق طريقا أو نحتل ممرا بدعوى أداء عبادة يفترض أنها تقوم على رفع الضرر لا إحداثه؟ الشارع ليس فراغا، بل هو مجال مشترك، تتقاطع فيه حقوق الجميع، واحترامه ليس مسألة تنظيمية فقط، بل هو جزء من السلوك المدني الذي يفترض أن تعززه العبادة نفسها. بل إن احترام حق الطريق، في الثقافة الإسلامية، قُدم كقيمة قائمة بذاتها، حين اعتبر كف الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان. قد يبدو الأمر بسيطا أو موسميا، لكنه في العمق يكشف عن خلل في ترجمة القيم إلى سلوك. فالتدين لا يختزل في لحظة داخل المسجد، بل يمتد إلى كل تفاصيل الحياة، بما فيها ابسطها: كيف نسوق، كيف نركن، وكيف نراعي غيرنا. المطلوب، في النهاية، ليس التقليل من الاقبال على المساجد، بل العكس. المطلوب ان ينعكس هذا الاقبال إيجابا على سلوكنا في الفضاء العام، وأن نصلي كما ينبغي، ونحترم الطريق كما ينبغي. لان الايمان، في صورته الأجمل، لا يرى فقط في الصفوف… بل في الشارع أيضا. ورمضان كريم..