fbpx
الرئيسيةتقارير وتحقيقات

“المتطوعون الأجانب” بالحروب.. من مغاربة “الحرب الأهلية” الإسبانية إلى الصراع في أوكرانيا

المساء اليوم – هيأة التحرير:

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية الحديث مرة أخرى عن مشاركة “المتطوعين الأجانب” في القتال فيها،  فمع إعلان الرئيس فولوديمير زيلينسكي إنشاء فيلق دولي من المتطوعين الأجانب للانضمام إلى جيش بلاده وصد الغزو الروسي، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بنقل “المقاتلين المتطوعين” من الشرق الأوسط للقتال بجانب الجيش الروسي في أوكرانيا، والذي وصل عددهم إلى قرابة 16 ألف متطوع تقدموا بطلب التطوع للقتال مع روسيا في أوكرانيا، حسب ما ذكرته وزارة الدفاع الروسية.

تطوع مقاتلين أجانب في الحروب ليس بالأمر الجديد فالتاريخ مليء بأمثلة مختلفة لمشاركات متطوعين أجانب للقتال إلى جانب دولة ما، في حرب ليست حربهم وليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، فالعديد من النزاعات شارك فيها المتطوعون الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومن بين الأمثلة على ذلك: حروب التحرير الوطنية في جنوب أوروبا وأميركا الجنوبية في القرن التاسع عشر، والحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، والحرب العربية الإسرائيلية الأولى (1947-1949)، والحروب في يوغوسلافيا السابقة (1991-1995). الأجانب الذين قاتلوا في هذه الحروب اختلفوا عن بعضهم البعض من ناحية الأيديولوجيات التي تبنوها، والظروف التاريخية التي عاشوا فيها. ومع ذلك، شهدت جميع هذه الحالات أشخاصًا من دولة واحدة يعبرون الحدود ويحملون السلاح في صفوف قوات عسكرية أجنبية.

فكل حرب من الحروب شارك فيها متطوعون أجانب بشكل من الأشكال، ولعل مشاركة متطوعين مغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت سنة 1936، أقرب مثال على ذلك، إضافة إلى الحرب الأهلية الأميركية والحرب العالمية الثانية والحرب العربية الإسرائيلية مروراً بالصراع في سوريا وغيرها الكثير.

  • الحرب الأهلية الإسبانية: مقاتلون مغاربة وعرب وكتائب دولية تحارب في صف الحكومة والمعارضة

في الحرب الأهلية الإسبانية تصارع طرفان: الأول شيوعي، الجمهوريون الموالون للجمهورية الإسبانية الثانية، والطرف الثاني فاشي، وهم القوميون والذين كان بينهم الجنرال فرانكو. في هذه الحرب شارك حوالي 150 ألف مقاتل مغربي، ينحدر أغلبهم من مدن الشمال، جندهم الجيش الإسباني للقتال ضد الجمهوريين، وكان لهؤلاء “المتطوعين”،  دور حاسم في كسب الجنرالات “الإسبان المتمردين” على الجمهورية للحرب الأهلية.

لكن القليلين يتذكرون المقاتلين المغاربة والعرب، ذوي الهوى اليساري، الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الجمهورية الإسبانية، حيث قاتلوا ضد فاشية فرانكو، والتحقوا بالكتائب الجمهورية، مصادر إسبانية تُفيد أن عددهم جاوز 1000 مقاتل، وقدموا من المغرب والجزائر وفلسطين والسعودية ولبنان، واعتبروا أن مساعدة أنصار “الجمهورية الإسبانية” يشكل جزءاً من تصورهم من أجل تحرير بلدانهم الأصلية من الاستعمار ومعانقة الديمقراطية.

دراسات إسبانية عديدة أكدت أن “المقاتلين” المغاربة الذين شاركوا في تلك الحرب إلى جانب قوات فرانكو، أقدموا على ذلك الأمر بدافع الفقر والجهل اللذيْن كانا متفشيين في شمال المملكة ومنطقة الريف، وبسب الجفاف والقحط الذي عرفتهما المنطقة في تلك الفترة، وندرة المواد الغذائية.

كما أن أحد الأسباب الرئيسية لتجنّد المغاربة يعود، أساساً، إلى ما كان يقدم لهم من أغذية وملابس وأجر بلغ 180 بيسيتا شهرياً بدفعة شهرين مسبقة مع 4 كيلوغرامات من السكر وقنينة زيت مع خبز بحسب عدد أفراد العائلة.

وإلى جانب “المتطوعين المغاربة” حاربت وحدات الكتائب الدولية التي أنشأتها الشيوعية الدولية لمساعدة حكومة الجبهة الشعبية للجمهورية الإسبانية الثانية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وظلت هذه الكتائب موجودة لمدة عامين، من عام 1936 حتى عام 1938. وتشير التقديرات إلى أنه خلال الحرب بأكملها، خدم ما بين 40 و59 ألف عضو في هذه الكتائب، بينهم 15 ألف لقوا حتفهم في القتال، وجاء أكبر عدد من المتطوعين من فرنسا (حيث كان للحزب الشيوعي الفرنسي العديد من الأعضاء) ومن الشيوعيين المنفيين من إيطاليا وألمانيا. كما كان العديد من اليهود جزءًا من الألوية، وكان عددهم بشكل خاص ضمن المتطوعين القادمين من الولايات المتحدة وبولندا وفرنسا وإنجلترا والأرجنتين.

  • الحرب الأهلية الأميركية: جيش من الأجانب والمجتمع المهاجر بالولايات المتحدة

شهدت الحرب الأهلية الأميركية (1861 – 1865)، عملية تجنيد أجنبي عكست الأهمية الدولية لهذا الصراع بسبب مكانة الولايات المتحدة كقوة ناشئة في ذلك الوقت، بالإضافة لسبب الحرب المرتبط بقضية العبودية، فجُند العديد من الرجال من خارج الولايات المتحدة وبين مجتمعات المهاجرين في الولايات المتحدة.

عندما اندلعت الأعمال العدائية لأول مرة، كان ما يقرب من 13% من الأميركيين مولودين في الخارج، وتركزت الغالبية العظمى في المدن الشمالية التابعة للاتحاد. في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة عبارة عن اتحاد من 34 ولاية، أعلنت سبع منها في الجنوب الاستقلال تحت مسمى الولايات الكونفدرالية كانت تضم الكثير من العبيد.

كان ما يقرب من ربع إلى ثلث جيش الاتحاد مولود في الخارج (بين 543 – 625 ألف من أصل مليوني جندي)، بالإضافة إلى أن 18% كان لديهم والد واحد على الأقل ولد في الخارج، مما يعني أن ما يقرب من نصف جيش الاتحاد الشمالي من أصول أجنبية.

على النقيض من ذلك، خدم عدة آلاف من الأجانب فقط مع جيش الكونفدرالية، بنسبة تقارب 5% فقط من قواتها المسلحة. أثبتت ميزة القوة البشرية الكبيرة لقوات الاتحاد أنها حاسمة في انتصارها، إذ ذكر بعض المؤرخين أن الشمال ما كان لينتصر لولا التجنيد الأجنبي الواسع في صفوفه وقبوله المتطوعين الأجانب.

كانت أكبر الفرق الأجنبية على كلا الجانبين من الألمان والأيرلنديين والبريطانيين (الإنجليز، والأسكتلنديين، والويلزيين)، وكان معظم المجندين الأجانب الآخرين من كندا، وبقية أوروبا، خاصة بولندا، وفرنسا، وإيطاليا، والدول الإسكندنافية. كما جاءت أعداد أقل من الصين، والمكسيك، وهاواي، ومختلف القبائل الأمريكية الأصلية، وكان العديد من القادة السياسيين والعسكريين رفيعي المستوى في كل من الاتحاد والكونفدرالية من أصول أجنبية أو مهاجرة.

وقاتل الأجانب والمهاجرون في الحرب لأسباب مختلفة، الكثير منهم كانوا مدفوعين بمعارضة أيديولوجية للعبودية، والبعض الآخر بالولاء للوطن الجديد، والبعض الآخر سعى وراء الفرص الاقتصادية.

  • الحرب العالمية الثانية: الأمريكان يحاربون من أجل بريطانيا

في الحرب العالمية الثانية أنشأ سلاح الجو الملكي البريطاني ثلاثة أسراب مقاتلة تابعة له تحت مسمى “سرب النسر”، تشكلت من طيارين متطوعين من الولايات المتحدة خلال الأيام الأولى من الحرب العالمية الثانية (حوالي عام 1940)، قبل دخول أميركا الحرب في دجنبر 1941.

مع بقاء الولايات المتحدة محايدة في بداية الحرب، عبر العديد من الأميركيين الحدود ببساطة وانضموا إلى القوات الجوية الملكية الكندية لتعلم الطيران والقتال (كانت كندا جزء من التاج البريطاني)، ثم توجهوا إلى أوروبا للقتال، في البداية ذهب غالبية المجندين الأوائل إلى أوروبا للقتال من أجل فنلندا ضد الاتحاد السوفيتي فيما يسمى “حرب الشتاء” في نونبر 1939.

لاحقًا أقنع تشارلز سويني، وهو رجل أعمال ثري يعيش في لندن، الحكومة البريطانية بتشكيل سرب من سلاح الجو الملكي البريطاني يتألف من الأمريكيين. جرت عملية تنسيق في كندا للموافقة على 6700 طلب من الأميركيين للانضمام إلى القوات الجوية الملكية البريطانية، أو سلاح الجو الملكي البريطاني، تحمل سويني ورفاقه الأثرياء تكلفة إرسال، وتدريب، وعلاج هؤلاء الأشخاص بقيمة وصلت أكثر من 100 ألف دولار وقتها.

  • الحرب العربية الإسرائيلية في 1948: 4 آلاف متطوع أغلبهم من المحاربين القدامى

شهدت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 مشاركة ما يقرب من 4 آلاف متطوع أجنبي من 58 دولة بين القوات الإسرائيلية قُتل ما مجموعه 123 من هؤلاء، وأغلب المتطوعين، الذين أُطلق عليهم اسم “الماهال”، كانوا من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية من القوات المسلحة الأميركية والبريطانية، والذي جرى تسريحهم بعد انتهاء الحرب في أعقاب تقليص جيوش الحلفاء، لكن بعض هؤلاء لم يستطيعوا الإندماج في الخدمة المدنية، خاصة الطيارين.

وجرى دعوة هؤلاء بالفعل للمشاركة، بينما سمع الآخرين عن محاولة الدولة اليهودية إنشاء دولة لها، فالدعاية اليهودية كانت قوية في تلك الأوقات، وجعلت الأمر كما لو أنه كفاح من أجل الاستقلال والبقاء، وفي بعض الحالات لم يكن لدى المتطوعين خبرة عسكرية سابقة، وكان هناك يهود، ومسيحيون، ومؤيدون للصهيونية، ومرتزقة، وبعد انتهاء الحرب حلت هذه المجموعة، “الماهال”، وعاد معظم المتطوعين إلى منازلهم، بينما فضل بعضهم البقاء في البلاد كمقيمين دائمين.

  • حرب استقلال كرواتيا: متطوعون ألبان مع كرواتيا وروس مع صربيا

نشبت حرب الاستقلال الكرواتية بين عامي 1991 و1995 بين القوات الموالية للحكومة الكرواتية التي أعلنت استقلالها عن يوغسلافيا، وبين الجيش الشعبي اليوغسلافي الذي يسيطر عليه الصرب، وقد جذبت هذه الحرب المرتزقة، والمغامرين، والمتطوعين، والذين انضم معظمهم إلى الجانب الكرواتي.

انضم المقاتلون الأجانب إلى “قوات الدفاع الكرواتية” (HOS)، وهو الجناح شبه العسكري لأحد الأحزاب الكرواتية، في بداية الحرب، ثم انضم العديد من المتطوعين اليمينيين المتطرفين من أوروبا الغربية، ومعظمهم من ألمانيا، إلى هذه القوات، وكان “اللواء الدولي الأول” التابع للجيش الكرواتي يتكون من 100 رجل تقريبًا، نصفهم من الأجانب من فرنسا، وكندا، وسويسرا، والمجر، والبرتغال، وبريطانيا، وأستراليا، والولايات المتحدة. كما انضم الألبان اليوغوسلافيون إلى الجيش الكرواتي في الحرب، وتشير التقديرات أن حوالي 10 آلاف ألباني قاتلوا في الجيش الكرواتي، توفي منهم 87، في المقابل تطوع الروس بشكل أساسي في الجانب الصربي.

لكن خلاصة، هي أن الوقت لا يزال مبكرا للحكم على المتطوعين في أوكرانيا وروسيا، وإن كانت أرقام المهتمين كبيرة، ولا يحتاج المتطوع إلا أياما للتجهز والسفر، ولو صحت التكهنات عن معركة طويلة فإن تدفق المتطوعين سيستمر ويتطور، وعلى الدول التي تسمح لمواطنيها بالتطوع التفكير من الآن عن المخاطر عليها وعلى مواطنيها قبل أن تُصاب بالصدمة كما حدث سابقاً في صراعات عديدة وآخرها الصراع في سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!