fbpx
الرئيسيةبروفايل

الملكة إليزابيث: كانت فوق شجرة حين وصلها خبر تعيينها ملكة..!

المساء اليوم:

بعد حياة ملكية حافلة كانت لها بصمتها الخاصة على تاريخ العرش البريطاني، ترحل إليزابيث الثانية، ملكة 15 دولة ورئيسة منظمة الكومنولث التي تضم 56 بلدا. ملكة أحبها شعبها واحترمها قادة الدول والحكومات في العالم أجمع. ملكة قضت أطول فترة حكم في تاريخ المملكة البريطانية، عرفت خلالها كيف تجعل التاج البريطاني مواكبا للعصر وتعيد له تألقه، تاركة للورثة ملكية أكثر حيوية من أي وقت مضى.

عندما توفي الملك جورج السادس في 6 فبراير العام 1952، كانت ابنته الكبرى إليزابيث تراقب الحيوانات البرية في السافانا عبر منظار، متسلقة إحدى أشجار التين في محمية أبيردير الطبيعية في كينيا. حينها أخبرها زوجها الأمير فيليب بوفاة والدها، وأصبحت ملكة بريطانيا وهي لم تكن تبلغ من العمر سوى 25 عاما. بالتأكيد صدمها الخبر لكنها لم تذرف دمعة واحدة، فإظهار العواطف الآن صار حكرا على الحياة الشخصية، وهي تعي أكثر من غيرها ما يقتضيه من مسؤولية التربع على العرش الذي اعتلت سدته.

وضعت الملكة إليزابيث الثانية حياتها في خدمة المملكة المتحدة. ولدت في 21 أبريل 1926، وأطلق عليها لقب “ليليبيث”. لم يكن يفترض أن تتولى العرش، إذ إنها كانت الثالثة في ترتيب ورثة التاج بعد عمها وأبيها. فهي ابنة ألبيرت، دوق يورك والابن الثاني لجورج الخامس، وإليزابيث بوز-ليون. نشأت إليزابيث في منزل بحي بيكاديلي في لندن، خارج أسوار قصر باكنغهام. ولم تصبح الوريثة الرسمية لعرش بريطانيا إلا في سن العاشرة. والدها الأمير ألبيرت تولى العرش وأصبح معروفا باسم جورج السادس بعد أن تخلى شقيقه الأكبر الملك إدوارد الثامن عن التاج من أجل أن يتزوج بعشيقته، الأمريكية واليس سيمبسون المطلقة مرتين.

اكتسبت إليزابيث بسرعة حس المسؤوليات الملكية. خلال الحرب العالمية الثانية ورغم تعرض المملكة المتحدة للقصف الألماني، رفضت العائلة الملكية الانتقال للعيش في الخارج إذ بقي الملك وزوجته في قصر باكنغهام، واستقرت ابنتاهما في قصر وندسور غرب لندن. الأميرتان، إليزابيث وشقيقتها الصغرى مارغريت، ساهمتا في “المجهود الحربي”، بحياكة الجوارب أو صنع الضمادات للجنود البريطانيين. في العام 1940، بعمر 14 عاما، وجهت إليزابيث خطابها الإذاعي الأول لجميع أطفال المملكة.

في 1942 التحقت بصفوف “رماة القنابل” وهي إحدى فصائل المشاة في الحرس الملكي، حيث منحت رتبة عقيد قائد فخريا. بعدها وعند نهاية الحرب انضمت إلى الخدمة الإقليمية الداعمة، وهي الفصيل النسائي في الجيش البريطاني. رغم رتبتها العسكرية لم تتردد في مباشرة العمل، فتعلمت قيادة السيارات واستلمت العمل كميكانيكي، وقامت بنفسها بإصلاح سياراتها الشخصية حتى سنوات الثمانينيات، وقادت سيارتها بالسرعة القصوى على مدى حياتها في الطرق الصغيرة المحيطة بقصر بالمورال في إسكتلندا.

في العشرين من نوفمبر 1947، تزوجت إليزابيث من الأمير فيليب اليوناني، وهو أحد أقربائها. وفي 14 نوفمبر 1948 أنجبت أول أبنائها الأمير تشارلز ولي العهد. وبعده أنجبت آن، ثم أندرو، فإدوارد، لكن لم تشغلها تربية الأطفال عن مهامها الملكية، فهي لم تكن من النساء اللواتي يكرسن حياتهن لعائلاتهن.

في 1950 تدهورت صحة والدها، الملك جورج السادس، وبدأت إليزابيث تحل محله أكثر فأكثر في الرحلات والمناسبات الرسمية. وكانت في مهمة رسمية في كينيا عندما علمت بوفاة الملك في 6 فبراير 1952، لتصبح الحاكم الأربعين الذي يعتلي سدة عرش المملكة المتحدة منذ وليام الفاتح (1087-1066). بعد يومين أدلت الملكة الشابة بتصريحها الأول أمام المجلس الخاص: “بوفاة والدي العزيز المفاجئة، تمت دعوتي لتولي واجبات الملك. أدعو الرب أن يعينني لأكون جديرة بالمهام التي أوكلت إليّ مبكرا في حياتي”.

مهام لم تفشل فيها أبدا. تم تتويجها يوم 2 يونيو من عام 1953 في دير وستمنستر في مراسم احتفالية تم نقلها مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون -إنجاز تقني كان الأول من نوعه- أكدت الملكة إليزابيث خلالها أنها لن تتنازل عن العرش أبدا، “ما لم أتعرض لهجوم أو أصب بمرض الزهايمر”.

عاصرت إليزابيث الثانية تفكك الإمبراطورية البريطانية، وعرف عهدها 15 رئيس حكومة في المملكة، محافظة على الدوام على ترفعها عن النزاعات السياسية. “دائما ملتزمة، دائما مصممة، دائما محترمة، وتمثل الحكمة والاستمرارية”، على حد وصف رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون لها في 2012 في خطاب تكريمي وجهه بمناسبة اليوبيل الماسي (مرور 60 عاما) لتوليها مهام الملكة.

على المستوى الدولي، حافظت إليزابيث الثانية على دور رمزي لكنه مهم جدا، إذ إنها حكمت أكبر مملكة في العالم وخضع لسلطتها نحو 135 مليون شخص. وكانت إليزابيث الثانية رئيسة الكومنولث، وهو تجمع من 56 دولة تشكل معظم المستعمرات البريطانية السابقة، على رأسها كندا وأستراليا، إلى جانب دول أخرى مثل جامايكا وجزر الباهاما.

طوال حياتها، جابت مملكتها طولا وعرضا وحطت بعدة أرجاء من العالم، إذ قامت بأكثر من 260 رحلة خارجية وزارت نحو 120 دولة. وسارعت أجيال كثيرة من زعماء العالم للقائها في قصر باكنغهام. فقابلت ونستون تشرتشل، شارل ديغول، جون فيتزجيرالد كينيدي، البابا يوحنا بولس الثاني، غيرهارد شرودر، جورج بوش الابن، جاك شيراك، نيلسون مانديلا، أنغيلا ميركل، باراك أوباما.

تمكنت إليزابيث الثانية من تجاوز هزات عديدة زعزعت حياتها الخاصة، على رأسها طلاق ثلاثة من أولادها، أضرت بشدة بصورة العائلة الملكية التي تتابعها وسائل الإعلام باستمرار. لكن ثبات الملكة أكسبها دائما احترام شعبها، باستثناء حدث واحد.

وفاة الأميرة ديانا، الزوجة السابقة للأمير تشارلز، في 31 غشت من عام 1997 كاد يحدث شرخا في العلاقة بين الملكة والشعب البريطاني. فلم تنكس الأعلام حدادا في قصر باكنغهام، وبرود الملكة إليزابيث حيال وفاة الأميرة التي لم تعد رسميا جزءا من العائلة الملكية أحدث هوة بينها وبين البريطانيين، حتى أن صحيفة “ذا صن” عنونت “أرنا أن لدى آل وندسور (العائلة الملكية البريطانية) قلبا” في إشارة واضحة إلى الملكة.

لكن الملكة استدركت الأمر سريعًا؛ واحتفت في كلمة متلفزة “بأميرة الشعب” ما جعلها تستعيد تقدير البريطانيين. وعلى مر السنين باتت أكثر مرونة، وأخذت على عاتقها مهمة تحديث النظام الملكي التي كانت بمثابة مشروع حياتها. وهكذا رحبت بلطف وألمعية بواحدة من عامة الشعب في الأسرة الملكية، كيت ميدلتون، التي أصبحت دوقة كامبريدج بعد زواجها عام 2011 من الأمير ويليام، النجل الأكبر للأمير تشارلز، والذي بات ولي العهد ووريث التاج بعد أن تم استدعاء والده الآن لتسلم العرش.

كما أسبغت الملكة مباركتها على زواج الأمير هاري، الابن الأصغر لتشارلز، من الممثلة ميغان ميركل، السيدة المطلقة والأمريكية من أصل أفريقي، وهي سابقة في تاريخ وندسور. لكن فترة الهدوء هذه لم تدم طويلا. فبعد عامين من زفافهما، تسبب دوق ودوقة ساسكس في فضيحة جديدة بعد إعلانهما، بداية عام 2020، عن رغبتهما في التوقف عن بذل أي نشاط كأعضاء في العائلة المالكة.

كما قامت الملكة بدور أيضا في مواجهة الاتهامات بالاعتداء الجنسي ضد ابنها الأمير أندرو في إطار قضية إبستين. وعلى الرغم من ارتباطها الشديد بهذا الابن المحبب إلى قلبها، فهي لم تتردد، في يناير عام 2022، في سحب معظم ألقابه العسكرية وكذلك معظم الأعمال الخيرية التي يقوم على رعايتها. لكن أكثر ما أحزن الملكة إليزابيث الثانية بصورة خاصة، كان وفاة زوجها الأمير فيليب في أبريل عام 2021 بعد أكثر من 73 عاما من الزواج.

بعد وفاة زوجها، لم تظهر الملكة علانية إلا متكئة على عصا، فيما تتابعت عليها المشاكل الصحية التي كان آخرها العدوى بفيروس كورونا. ومع إنها تغيبت في ماي 2022 للمرة الثالثة في عهدها عن خطاب العرش التقليدي، فإنها مع ذلك، خرجت لإلقاء التحية على رعاياها بعد بضعة أسابيع من على شرفة قصر باكنغهام بمناسبة اليوبيل البلاتيني (70 عاما) لارتقائها سدة العرش. أظهرت هذه الأيام الأربعة من الاحتفالات، والتي شارك فيها مئات الآلاف من الناس، الحب الكبير الذي يكنه البريطانيون لملكتهم.

بحفاظها الشديد على التقاليد الملكية، ضمنت إليزابيث الثانية تسليم العرش بسلاسة، تاركة وراءها ثلاثة أجيال من الورثة، وملكية أكثر حيوية ونشاطًا من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!