الفتكُ بدار الإسلام: هنا وهناك

إذا كان الفقه الإسلاميّ قد صاغ مقولتيْ “دار الإسلام” و”دار الحرب”، في أزمنةٍ ماضية، للتّمييز بين مجال الاجتماع السّياسيّ الإسلاميّ في أطره السّياسيّة الشّرعيّة والسّياسيّة وما يقع جوارَهُ أو خارجَه من مجتمعات ودول لا تَدين بالإسلام، فما ذلك التّمييزُ منه إلاّ لأنّ عالم الإسلام – في ذلك الإبّان – كان في حالة حربٍ ضاربة مع جواره البيزنطيّ يكسب فيها ويخسر، وفي الغالب في حالةٍ دفاعيّة ممتدّة؛ فكان ما خارج دارِ الإسلام “دَارَ حرْبٍ” بالمعنى التّقريريّ الوصفيّ لا بمقتضى حكمٍ شرعيّ.

ذلك تمييزٌ فقهيّ له “أسبابُ نزول”؛ له شروطُه التّاريخيّة الموضوعيّة التي افترضتْه. وذلك، أيضاً، زمن مضى وانقضى وارتفعتِ الأسبابُ الحاملة على تلك القِسمة الثّقاطبيّة الحادّة بين فسطاطين. وحتّى في عهود الحروب الصّليبيّة، وحيثُ كانتِ الكلمة للسّيف، زال مفعول ذلك التّمايُز بين الدّارين، وخاصّة حين تَحَالَفَ أمراءٌ مسيحيّون (صليبيّون) في المشرق مع مسلمين لمحاربة أمراء مسيحيّين آخرين، وتحالف أمراء مسلمون مع مسيحيّين لمحاربة أمراء مسلمين آخرين. زالت الحاجة إذن، ومنذ زمنٍ مبكّر، لمثل ذلك التّمييز الفقهيّ القاطع بين عالم المسلمين وما يقع خارجه. ولم يتجدّد العمل به (= التّمييز الفقهيّ) إلاّ مع صعود الحركات الإسلاميّة «الجهاديّة» ليدقّ، من جديد، إسفيناً بين ما سمّاه أسامة بن لادن الفُسطاطيْن!

وحين زار محمّد عبده باريس لحضور “مؤتمر باريس”، في العام 1881، ثمّ عاد إلى مصر وكتب في مقالٍ عبارته الشّهيرة “ذهبت للغرب فوجدْتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين… ولمّا عُدتُ للشّرق وجدتُ مسلمين ولكنّني لم أجد إسلاماً”، كان يريد بذلك أنّ تشريعات البلاد الغربيّة ونظامَها مبْناها على المقاصد الكبرى التي قصد إليها الشّرع الإسلاميّ؛ من عدلٍ وإخاءٍ وتسامُحٍ وصيانةٍ للحقوق وحمايةٍ لكرامة النّاس وكسْبٍ وعمارةٍ للأرض، وهي مطبَّقة هناك من دون مسلمين. أمّا في بلاد المسلمين فليس من شرائع دينهم في نظمهم السّياسيّة والاجتماعيّة. وبذلك يكون محمّد عبده قد بدَّد تلك الصّورة النّمطيّة عن بلدان الغرب، في الوعي الإسلاميّ، بما هي بلدان ترزح تحت نير أحكام الكفر، فاتحاً الباب للقول إنّ إسلامنا – نحن المسلمين – وقفٌ على ائْتِثَار الغرب واحتذائه في ما أرساهُ من نُظُم للاجتماع الإنسانيّ فيه، لأنّها من روح مقاصد الإسلام.

تقاطرت أجيال أربعة من العرب والمسلمين على ديار الغرب، بعد مقالة محمّد عبده، كتلةً ملايينيّة مهاجرةً من مَواطنها الأصليّة إلى بلدان أوروبا وأميركا، فلقيَت فيها الملاذَ من التّبطُّلِ والضّائقةِ والخَصاصة والقَهْرِ والعَسف، واندمجت في نسيجها الاجتماعيّ ثم السّياسيّ مساهِمةً في ازدهارها الاقتصاديّ، وتحصَّلت فيها حقوقَها المدنيّة والسّياسيّة التي تخوّلُها لها المواطنة التي تمتَّعت بها. ووُلِد لها، في تلك البلاد، أجيالٌ باتت من صميم شعوبها من غير أن تَحيد عن إسلامها. ولستَ واجداً مَن يمكنه من المسلمين في الدّيار الغربيّة أن يتأفَّف من العيش بين ظهرانيْ “الكفّار”، أو مَن يَطْعن على عدلِ شرائعهم واستقامتها. حتّى أنّ لسان حالهم يقول – عمليّاً – ما قاله محمّد عبده قبل أربعين عاماً ومئةِ عام؛ مع فارقٍ ذي دلالة: أنّه قال ما قاله بوحيٍ من مشاهداتٍ عابرة، أمّا هُم فالمُشاهَد عند عبده معيوشٌ عندهم من المهد إلى اللّحد.

والمفارقةُ الأشدُّ إثارةً هي في أنّ أولئك الذي ما زالوا متمسّكين بـِ”دار الإسلام” و”دار الحرب”، من الإسلاميّين الحزبيّين و”الجهاديّين”، أجبرتهم ظروفُ بلدانهم العربيّة والإسلاميّة على شدّ الرّحال إلى ديار الغرب، واللّياذ بها بحثاً عن مَأمن، والعيش فيها والتّمتّع بالحريّات فيها وثمرات التّمدّن في مناحي حياتها. فكان لهم فيها ما كان من أمنٍ واستقرارٍ وعيشٍ في أكناف نظامٍ قانونيّ عادل يحترم حقوق الإنسان وكرامته وينتصف له إن حِيفَ فيها. ومع ذلك، ما توقَّف هؤلاء، يوماً، عن لَعْن الغرب والقَدْح في قيمه ومعالنته العداءَ الصّريح، ومقابلته بمشاعر الكراهيّة العمياء. بل لقد أفاضَ بعضُهم ونَفَّل في ذلك العداء فنقله من الشّعور إلى الفعل، وطَفِق يخوض في مغازيه في بلاد الغرب، ويَسُومُها العقابَ قتْلاً وتفجيرات، وقد وَطَن عنده أنّه إنّما يمارس بذلك “جهاداً” مشروعاً في “دار الكفر”!

ذلكم فصلٌ من فصول الجحود والنّفاق الذي ابتُليت به جماعاتٌ تعتقد أنّها تملك الحقّ في أن تفعل ما تشاء، لأنّها تحتاز “الحقيقة” ولأنّها مندوبةٌ من السّماء لفرض شرعها على الأرض! وقد جبَّت هذه الجماعات ما قبلَها من اعتقاداتٍ لدى المسلمين في أنّ ديار الغربيّين بيئةٌ صالحة للجوار والإقامة، لأنّ فيها من الشّرائع ما يرون فيه – مثل محمّد عبده – أشباهاً ونظائِرَ لما دعا إليه دينُهم. ولا يشبه هؤلاء الخوارج الجدد في أفعالهم النّكراء سوى مَن يناظرهم في السّوء من متعصّبي الغرب وعنصريّيه – ولهم في مراكز القرار مكان – أولئك الذين يأخذون العرب والمسلمين – في أوطانهم أو في المَهاجر- بجريرة تلك الشّرذمة من الزُّعْرِ العَيّارين التي نبتت بين شقوق خرائبنا الثّقافيّة والاجتماعيّة.

ولكن مهلاً؛ إذا كانت فيالقُ الموت تلك قد استسهلت إعلان “الجهاد” داخل “دار الإسلام”، والفتْكَ بأهلها من غير رحمة، وسبْيَ النّساء والذّراري وفرْضَ الجزية على الأهالي في القرن الحادي والعشرين (!)، فكيف نستغرب أن تنقل “جهاد” هَا إلى بلدانٍ على غير مِلّتهم وإنْ هي أطعمتْهم من جوعٍ وآمَنَتْهُم من خوف؟! هُمْ يفتكون، إذن، بدار الإسلام في الحالتين.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )