اللعنة والساحر: ذكريات من نهائي تونس 2004..!

عبد الله الدامون

 

أزيد من عشرين عاما مرت بين النهائي والنهائي، بين نهائي تونس 2004 ونهائي الرباط 2025، في فترة مرت كلمح البصر.

 

أتذكر وقتها حين حللت بتونس قبيل النهائيات كيف كانت البلاد تبدو وكأنها تنظم المونديال، ليس في التجهيزات والملاعب، بل في الإحساس العام بالفخر.

 

بين تذكرة الذهاب من مطار الدار البيضاء وتذكرة العودة من مطار تونس كانت المدة أزيد من شهر، مع أن لا أحد وقتها كان يتوقع أن يصل المنتخب إلى المباراة النهائية، لكني كنت محظوظا.

 

وقتها حمل الزاكي، ومعه مساعده عبد الغني الناصري، كتيبة من اللاعبين الشباب الذين ولدوا وترعرعوا في أوربا، يقودهم المخضرم نور الدين النيبت. كانت تلك بداية اقتناص المواهب الكروية عبر العالم، وبدا أن الجميع يستمتع بخوض منافسات يعبر اللاعبون عما يمتلكون من حماس.. ومن مهارات، أكثر مما يطمحون للفوز بالكأس.

 

بدأت المفاجأة الأولى عبر أول انتصار على نيجيريا، ثم توالت المفاجآت. وبينما كان المغاربة يتوقعون أن يكون الإقصاء وشيكا، كان الحلم يستمر أطول.

 

لم يكن في تونس وقتها، وربما حتى الآن، ملاعب جديرة بهذا الحدث الإفريقي. كنا ندخل ملاعب تبدو لنا شبيهة بملاعب المدن الهامشية في المغرب. أما الجمهور فكان أندر من بيضة الديك. فكل ما كان يهم التونسيين هو الفوز بالكأس في ملعبه الجديد، رادس، الذي كان التونسيون وقتها، وربما حتى الآن، يعتبرونه تحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

 

انتقل المنتخب المغربي بين مدينة وأخرى وملعب وآخر، وفي كل مرة كان يفجر مفاجأة تجعل الحلم يكبر.

 

تحول لاعبون مثل مروان الشماخ وحواد الزايري ويوسف حجي ونبيل باها وآخرون إلى نجوم حقيقيين، وأجريت مع كثير منهم حوارات كنت أجدها لاحقا منقولة، بدون إذن، في صحف تونسية وازنة. تغاضيت عن الأمر لفترة، لكني قررت الاتصال هاتفيا بإدارات تلك الصحف للاحتجاج. كان الهاتف يرن دون رد، واكتشفت لأول مرة أن تكون صحف يومية شهيرة في بلد مثل تونس لا تتوفر على هواتف، وأكثر من هذا تسرق مجهود غيرها.

 

عندما اقترب موعد النهائي كانت تونس كلها تقف على رأسها. الكأس ولا شيء غير الكأس. لكنهم كانوا مرعوبين من المنتخب المغربي، إلى حد أنهم روجوا حكاية تقول إن المغرب أرسل مع المنتخب ساحرا عظيما كان يرافق اللاعبين في الحل والترحال.

 

عندما انتقلت من المنستير إلى تونس العاصمة لحضور النهائي، كان الحديث بين تونسيين في سيارة الأجرة يدور فقط عن الساحر المغربي العظيم. أحسست بالاستفزاز وقلت لهم إن المغرب لم يرسل ساحرا واحدا فقط. بل أحد عشر ساحرا، وانتهى النقاش من دون تعليق.

 

كان ذلك “الساحر العظيم” رجلا صحراويا بسيطا بسحنته السمراء ودراعيته الحسانية الجميلة وعمامته الحمراء. كان ودودا ووديعا وينتقل مع المنتخب بين كل الملاعب، فحوله التونسيون إلى ساحر..!

 

هناك الكثير جدا من التفاصيل، لكن أبرز ما سبق النهائي بين تونس والمغرب هو التوتر الكبير في الجانب التونسي، لاعبين وجماهير، بينما ظل اللاعبون المغاربة يتصرفون وكأنهم جاؤوا للاستمتاع بالكرة فقط.

 

كان يوم النهائي مشحونا. مطار تونس يستقبل المزيد من الطائرات المحملة بالجمهور المغربي، والود التونسي مع المغاربة يتضاءل، وملعب “رادس” يستعد لتتويج تونس بأي ثمن.

 

في الملعب كان إحساسنا بأننا يمكن أن نستغل هذا الشحن العاطفي التونسي بسهولة ونعود إلى المغرب بثاني كأس إفريقية، وبدا ذلك جليا مع الدقائق الأولى للمباراة، حيث بدا لاعبو تونس أثقل من اللازم، تعوزهم الثقة في النفس ويرتكبون الكثير من الأخطاء.

 

لم يفرح التونسيون طويلا بالهدف الذي أحرزوه في وقت كان المنتخب المغربي مسيطرا، لذلك جاء التعادل سريعا. وقتها انفجرنا فرحا فانهالت علينا كل أشكال “المقذوفات” من جانب الجماهير التونسية “الشقيقة”، وصرنا نبحث بين جنبات “رادس” عن ملاذ يحمينا من كل هذا الحب المغاربي.

 

هدف التعادل منحنا إحساسا جميلا بالأمل على أن الكأس قريبة جدا، رغم كل هذا الجمهور، وكبيرهم الجنرال الراحل بنعلي، ورغم التحكيم المرعوب والجماهير الهائجة.

 

لكن الضربة جاءتنا من حيث لا نحتسب. وإلى حدود اليوم أحس بغصة في الحلق عندما أسمع اسم الحارس فوهامي.

 

عموما.. هذه مجرد ذكريات قليلة من بين أحداث كثيرة عشتها في تونس لشهر ونصف. ذكريات عن لعنة كأس طاردتنا طويلا. وحتى عندما زرت تونس بعد بضعة أسابيع في مباراة المغرب وتونس للتأهل لمونديال 2006 بألمانيا، ظلت نفس اللعنة لصيقة بنا.

 

بين نهائي 2004 ونهائي 2025 أزيد من عشرين عاما، لكن الحال ليس هو الحال. فقد نظم المغرب أمم إفريقيا بمقاييس مونديالية، والملاعب تبدو وكأنها خرجت من فيلم الخيال العلمي، والبنية التحتية والتجهيزات والفنادق يبدو أنها ستورط كثيرا من يجرؤ على تنظيم الكأس المقبلة وما بعدها.

 

والأهم في كل هذا أن نربح الكأس بمنتخب رائع ومثابر ومقاتل وعنيد، ومع الكأس نربح إفريقيا، ومعها إعجاب العالم.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )