المغرب في سنوات الجفاف: تحديات كبيرة ومشاريع تنتظر التفعيل لمواجهة الأسوأ

المساء اليوم – متابعات:

 يعاني المغرب منذ نحو ست سنوات، من موجة جفاف حادة، والعام الماضي وصفت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة تداعيات ذلك خلال سنة 2023 بـ“التاريخية”، مبرزة أن قلة التساقطات تجاوزت مستويات غير مسبوقة.

وحذرت المنظمة في تقريرها الصادر بداية سبتمبر حول “وضعية التغير المناخي في الدول الأفريقية لسنة 2023″، من أن تطرف درجة الحرارة عام 2023 تعدى متوسط 1991-2020 في جميع أنحاء القارة.

واضطرت الحكومة لقطع المياه الصالحة للشرب عن بعض المناطق، فيما تسبب انحباس الأمطار بتدنٍ كبير في مستوى الأنهار المعروفة، على غرار نهر ملوية شمال البلاد.

والأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة المغربية أنها وقعت اتفاقا لاستيراد ما يصل إلى 100 ألف رأس من الأغنام من أستراليا لتعويض انخفاض أعدادها في البلاد بسبب الجفاف.

وأظهرت بيانات رسمية أن قطعان الماشية والأغنام في المغرب انخفضت بنسبة 38 بالمئة مقارنة مع آخر إحصاء أُجري قبل تسع سنوات بسبب موجات الجفاف المتتالية.

وأدى نقص المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف الحيوانية إلى ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في المغرب الذي يتجه إلى الاستيراد لتلبية احتياجاته المحلية من الماشية والأغنام واللحوم الحمراء.

ووفقا لوزير الفلاحة المغربي أحمد البواري، فإن تراجع كمية التساقطات المطرية بالمملكة خلال السنوات الأخيرة تسبب في ضرر كبير للقطاع الفلاحي، ما دفع المملكة إلى فرض قيود على ماء السقي، بل التوقف التام لعملية السقي لعدة سنوات في عدد من المناطق.

ويعاني المغرب من إجهاد مائي شبه هيكلي، وهو مرشح إلى التفاقم بفعل التزايد القوي في الطلب على المياه والتغيرات المناخية المتسارعة. بحيث أصبحنا نعيش تذبذبا وتراجعا في كمية التساقطات، مما يؤثر سلبا على حجم الواردات وينعكس طبعا على مخزون السدود والمياه الجوفية.

حاليا لا يتعدى مخزون المياه المعبأة بالسدود 4,6 مليار متر مكعب، أي بنسبة ملء 28%. مع العلم أن 70% من هذا المخزون يتواجد فقط بحوضي سبو واللوكوس بشمال المملكة. ونظرا لضرورة تأمين حاجيات الماء للقطاعات ذات الأولوية خاصة مياه الشرب والصناعة، يبقى القطاع الفلاحي الأكثر تأثرا بهذا الوضع، بحيث تخضع معظم الدوائر السقوية لتقنين وتقييد صارم في حصص المياه المخصصة للسقي.

فإذا استثنينا دوائر اللوكوس والغرب بالشمال، نجد أن جل دوائر السقي الكبرى المسقية انطلاقا من السدود تسجل نقصا حادا في تلبية حاجيات المزروعات، كما بلغت القيود المفروضة على ماء السقي درجة التوقف التام لعملية السقي الذي طال عدة سنوات في عدد من المناطق كدكالة، والحوز وسوس ماسة وتادلة.

ومن أجل مواجهة هذه التحديات والرفع من المخزون المائي المخصص للفلاحة والسيادة الغذائية، اعتمد المغرب سياسة استباقية في إطار استراتيجية الجيل الأخضر (2020-2030) والبرنامج الوطني للتزويد بمياه الشرب والري 2020-2027، تتجلى في المحاور التالية:

– مواصلة سياسة السدود الهادفة للرفع من سعة التخزين إلى 26 مليار متر مكعب عبر مواصلة أشغال بناء وتجهيز 18 سدا كبيرا ومتوسطا.

-تنويع مصادر المياه عبر تحلية مياه البحر بهدف تعبئة ما يناهز 1.7 مليار متر مكعب، ستمكن من تأمين تزويد المدن الساحلية لإتاحة الموارد المائية التقليدية للسقي وكذلك تطوير عرض مائي عبر تحلية ماء البحر يخصص لدعم السقي بالمناطق الأكثر تأثرا بالعجز المائي.

– الربط بين الأحواض المائية لتعبئة ما يناهز مليار متر مكعب من الموارد المائية التي تضيع في البحر. وفي هذا الإطار، تم إنجاز الشطر الأول لمشـروع الربط بين الحوضين المائيين لسـبو وأبي رقراق، ما يمكن حاليا من تحويـل ما يناهز 400 مليون متر مكعب سنويا لتأمين تزويد شريط الدار البيضاء والرباط بماء الشرب.

كما تم إنجاز مشروع الربط بين سد واد المخازن وسد دار خروفـة في الشمال، سيمكن من تحويل ما يناهز 100 مليون متر مكعب سنويا.

أيضا، المغرب بصدد إنجاز مشـروع جديد لربط محطة تحلية مياه البحر للجرف الأصفر بمحطة الدورات لتزويد جنوب الدار البيضاء بالماء الصالح للشرب في مدة لا تتجاوز 8 أشهر، حيث تم الشروع في التشغيل التدريجي للمشروع وتزويد جنوب الدار البيضاء انطلاقا من المياه المحلاة بمحطة الجرف بسعة 60 مليون متر مكعب في السنة.

هذه البرامج ستمكن من تأمين مخزون استراتيجي للمياه في خدمة السيادة الغذائية الوطنية مما سيساعد على تعزيز المكتسبات فيما يخص إنتاج المواد الغذائية الرئيسية، من خلال ضمان وتحسين النجاعة المائية للمساحات المسقية حاليا، وتأمين واستقرار مستوى استراتيجي لإنتاج الحبوب، من خلال تطوير الري التكميلي للحبوب.

وقطع المغرب أشواطا مهمة في ملاءمة الترسانة القانونية للحد من تداعيات وآثار الجفاف، وذلك من خلال تحديث القوانين والإجراءات المرتبطة بتدبير الموارد المائية وتعزيز آليات الحوكمة في القطاع. ومن بين أهم الجهود القانونية التي تم اتخاذها، القانون 36.15 المتعلق بالماء، والذي يُعد الإطار الرئيسي الذي ينظم إدارة الموارد المائية في المغرب.

وينص القانون على عدة تدابير، أبرزها: تعزيز حماية الموارد المائية من خلال ضبط الاستغلال العشوائي للمياه الجوفية وتنظيم تراخيص الاستعمال، إلزامية المخططات المديرية للموارد المائية، والتي تضع برامج للتدبير المستدام للموارد على المستوى الجهوي والوطني، إقرار مبدأ التدبير التشاركي والتضامني للمياه، بمشاركة مختلف الفاعلين (الدولة، الجماعات الترابية، المجتمع المدني).

وينص أيضا على تفعيل شرطة المياه لمراقبة احترام التراخيص وحماية الموارد المائية من التبذير والاستغلال العشوائي، وتعزيز قوانين استغلال المياه الجوفية (لضبط استغلال الفرشات المائية، حيث يتم العمل بنظام الترخيص الصارم لحفر الآبار، بالإضافة إلى فرض قيود على الضخ المفرط للمياه الجوفية).

ونعمل أيضا على دعم مشاريع تحلية المياه وإعادة التدوير من خلال تسهيل المساطر الإدارية للاستثمار في محطات تحلية مياه البحر، وسن تشريعات تحفز على إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة في الري والصناعة، للحد من الضغط على الموارد العذبة.

وفي القانون 36.15 المتعلق بالماء، تطوير قوانين التكيف مع التغيرات المناخية، خاصة عبر إدماج موضوع مكافحة الجفاف والتغيرات المناخية في المخططات الجهوية للتنمية، بما يفرض التزام الجماعات الترابية باعتماد استراتيجيات لتدبير المياه. وتعزيز التمويلات والتحفيزات المالية لمشاريع الاقتصاد في المياه، مثل أنظمة الري بالتنقيط ودعم الفلاحين للتحول إلى زراعات أقل استهلاكا للمياه.

وفي الأخير، هناك مخطط “الماء 2050″، وهو إطار استراتيجي لتأمين الموارد المائية، يعتمد على استثمارات ضخمة لإنجاز سدود جديدة، ومحطات لتحلية المياه، ومشاريع لإعادة استخدام المياه العادمة، مع تعزيز الإطار القانوني لضمان التنفيذ الفعلي لهذه المشاريع.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )