عبد الله الدامون عندما أطلق الحكم صفارة النهاية للمباراة التي جمعت المنتخب الجزائري بمنتخب الكونغو الديمقراطية في منافسات كأس إفريقيا، ظهر في وسط الملعب لاعب جزائري يدعى الأمين عمورة وهو يرفع يده اليمنى ثم يتظاهر بالسقوط، وبعدها قام بحركة بذيئة بنفس اليد التي كان يرفعها، متوجها نحو شخص معين، أو جمهور معين. ولمن لم يفهم جيدا هذا السلوك المشين للاعب الجزائري، فهو لم يكن يقصد سوى المشجع الكونغولي الشهير والرائع، مبولادينجا، الذي ظهر في كل مباريات منتخبه في ملاعب المغرب يقف شامخا كتمثال أسطوري، يرفع يده اليمنى بلا حراك طوال مدة المباريات، إلى درجة أن كثيرين اعتقدوه تمثالا حقيقيا. هذا المشجع المبدع لم يكن يقوم سوى بمحاكاة التمثال الشهير للمناضل الإفريقي الكونغولي الاسطوري، باتريس لومومبا، الذي قضى حياته القصيرة مناضلا شرسا من أجل استقلال وسيادة إفريقيا، وعوقب من طرف التحالف الاستعماري بقتله بطريقة بشعة. لكن لومومبا، الذي اغتيل في سن الرابعة والثلاثين، ظل ساكنا في قلوب سكان القارة السمراء، واسمه يصيب بالرعشة قلوب من يعرفون سيرة هذا الرجل العظيم. لكن يبدو أن للجزائريين رأيا آخر في حق هذا المناضل، لذلك قام لاعب منتخبهم بتلك الحركة المشينة في حق مشجع رائع ظل طوال المباريات يذكر العالم بنضالات إفريقيا المستمر من أجل الاستقلال والسيادة. اللاعب الجزائري الذي أهان ذلك المشجع الكونغولي الرائع، لم يتلق، حتى الآن على الأقل، أي تنبيه أو توبيخ على حركة المنحرفين التي قام بها أمام أنظار العالم، فما يهم حكام الجزائر ليس تربية لاعبيهم على الانضباط الأخلاقي وتذكيرهم بأن لإفريقيا تاريخ طويل ومستمر في مواجهة الاستعمار، بل فقط تحفيزهم بكل الطرق على تحقيق الهوس الجماعي بجلب كأس إفريقيا من قلب الرباط..! لكن، مقابل هذا الاحتقار الجزائري لمشجع مذهل يذكر العالم بنضالات الشعوب الإفريقية، حظي هذا الرجل، الذي يشبه حد التطابق باتريس لومومبا، بتقدير كبير من جانب الجماهير المغربية، وتم إهداؤه سلهاما مغربيا أحمر في قلب ملعب مولاي الحسن، مباشرة بعد تعرضه للإهانة الجزائرية، وهو ما خلف لديه الكثير من مشاعر الغبطة والعرفان لشعب تربى على الود والمحبة، وليس على الكراهية والحقد. ليس هذا فحسب، فقد اكتشف هذا المشجع الكونغولي أن أحد أكبر وأرقى وأجمل شوارع العاصمة المغربية الرباط تحمل اسم المناضل الكونغولي باتريس لومومبا، وأن هذا المناضل كان أيضا صديقا عزيزا على السلطان محمد الخامس. عموما فإن ما جرى، رغم أنه حدث داخل الملعب، فإنه يرسخ لدينا صورة عميقة وواضحة عن الطريقة التي تتعامل بها الجزائر مع إفريقيا، فهي بالنسبة لها مجرد حطب لتغذية أحلام توسعية فقط لا غير، لذلك تطلق الجزائر على نفسها لقب "البلد القارة"، متباهية بمساحتها الشاسعة التي تشكلت بفعل اقتطاع الاستعمار الفرنسي لمساحات شاسعة من المغرب وتونس ومالي والنيجر وغيرها، لصنع خارطة بلد كان يسمى "الجزائر الفرنسية"، لأن فرنسا لم تكن تنوي المغادرة. لكن عندما غادرت فرنسا، أصبح هوس الجزائر هو الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، وناضلت من أجل ذلك أكثر مما ناضلت من أجل استقلال وسيادة إفريقيا، وحولت منظمة الاتحاد الإفريقي إلى مجرد هيئة للمطالبة بشيء وحيد، وهو الإصرار على عدم المس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، بل عمدت إلى خلق كيانات وهمية لإشغال جيرانها عن استعادة أراضيهم المنهوبة، مثلما فعلت مع البوليساريو، الذي ولدته وأرضعته وجعلت منه مسمارا صدئا في حذاء تنمية ووحدة بلدان المغرب الكبير، ولا تزال مصرة على ذلك بعناد أحمق. في النهاية، لا بد أن نختم بما يشبه النكتة. فحتى الآن تتجنب أغلب وسائل الإعلام الجزائرية ذكر اسم المغرب رغم أن منافسات كأس إفريقيا تجري على أرضه وملاعبه المبهرة، لكن اسم المغرب سيصبح على كل لسان في الجزائر في حال تحقق المراد وحملوا الكأس إلى قصر المرادية..!! إنه ابتلاء كبير.. كبير جدا أن تكون جارتك اسمها الجزائر..!