المساء اليوم: بدأ الرئيس إيمانويل ماكرون مشاوراته مع زعماء أحزاب مختلفة في محاولة لإنهاء ستة أسابيع من الركود السياسي الذي شهدته البلاد بعد الانتخابات التشريعية المبكرة. وفيما يبدو أن الرئيس الفرنسي عازم على تشكيل ائتلاف واسع يُرجّح أن يشمل الكتلة السياسية التي ينتمي إليها، سيتحتم على ماكرون احتواء القوى المصطفة ضده كتحالف "الجبهة الشعبية الجديدة" اليساري الذي يتهمه بالمماطلة وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الذي لا يريد المشاركة في حكومة ائتلاف. وبعد ستة أسابيع على خروج الناخبين الفرنسيين وبأعداد معتبرة للتصويت في الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون، لا تزال فرنسا تنتظر حكومتها الجديدة. ولم يتغير المشهد السياسي وبقيت نفس الحكومة بقيادة نفس رئيس الوزراء الذي يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الوزراء على الرغم من استقالته بعدما هزم التحالف اليساري "الجبهة الشعبية الجديدة" ائتلاف الرئيس إيمانويل ماكرون ومنعه من الفوز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان. ومنذ ذلك الحين لم يحدث شيء... وتحولت أنظار العالم إلى باريس لمتابعة الألعاب الأولمبية 2024. وأعلن الرئيس "هدنة أولمبية"، قائلا إنه لن يتخذ أي قرار بشأن رئيس حكومة جديد إلى غاية نهاية الألعاب. انتهت "الهدنة الأولمبية"، ومع عودة الفرنسيين من العطلة الصيفية، دعا ماكرون زعماء الكتل البرلمانية والأحزاب المختلفة للمشاركة في سلسلة مشاورات في قصر الإليزيه لإيجاد حل والخروج مما يبدو أنه طريق مسدود. وسيبدأ الرئيس الفرنسي مشاوراته الجمعة مع تحالف "الجبهة الشعبية" اليساري، الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد بدون إحراز أغلبية مطلقة، وبحضور مرشحة هذا التحالف لرئاسة الوزراء لوسي كاستيه، وهي خبيرة اقتصادية وموظفة دولة لها سجل في مكافحة الجرائم المالية لكنها غير معروفة لدى الجمهور العريض. سلطة النواب ويشار إلى أن التحالف اليساري دعا ماكرون إلى تعيين كاستيه رئيسة للوزراء، معللين ذلك بأن رئيس وزراء فرنسا ينتمي تقليديا إلى المجموعة السياسية التي لديها أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. وعلى الرغم من أن اختيار ماكرون لرئيس الوزراء لا يتطلب موافقة رسمية من الجمعية الوطنية، إلا أن النواب يستطيعون إطاحة أي حكومة على الفور، وذلك عن طريق ورقة تصويت حجب الثقة. ومع انقسام الجمعية الوطنية إلى ثلاث كتل سياسية مختلفة وبرامج سياسية متباينة جذريا، يبقى احتمال وقوع هذا السيناريو واردا جدا. ويذكر أن الرئيس الفرنسي قد رفض تعيين كاستيه وبدلا من ذلك، أصر على أن تعمل الأحزاب معا لتشكيل ائتلاف واسع النطاق يمكنه الصمود أمام أي تصويت بحجب الثقة في الجمعية الوطنية. كما أوضح ماكرون أنه يفضل أن يمتد هذا الائتلاف من الاشتراكيين المنتمين إلى اليسار الوسط، وهو حاليا أحد الحزبين الرئيسيين في تحالف الجبهة الشعبية، إلى غاية المحافظين التقليديين "الجمهوريون" بما في ذلك طبعا، الكتلة التي ينتمي إليها الرئيس، من يمين الوسط أيضا. ولن يكون لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبين ولا لحزب فرنسا الأبية اليساري، وهو الركيزة الرئيسية في ائتلاف الجبهة الوطنية، مكان في الائتلاف الواسع الذي يريده الرئيس. وإلى ذلك، بدأ تداول الأسماء في أروقة السلطة، على غرار كزافييه بيرتران، الوزير السابق في عهد الرئيس جاك شيراك، والمفاوض السابق في ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروربي -بريكسيت-، اليميني ميشال بارنييه، وكذلك برنارد كازنوف، الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا هولاند. ويبدو أن هذا الاسم بالذات تم اختياره بعناية لجذب الاشتراكيين الأكثر "اعتدالا" الذين لا يودون تقاسم السلطة مع شركائهم في الائتلاف اليساري، حزب "فرنسا الأبية"، والذين يمكن أن تغريهم رؤية ماكرون لتشكيل ائتلاف أوسع. وإن كانت تفرقة التحالف اليساري أمرا ملحا للرئيس وأتباعه، يظل الأمر، مثله مثل عديد الأمور في السياسة الفرنسية حاليا، غير مؤكد. "حملة انتخابية" وأكد ديفيد تود، أستاذ التاريخ الحديث بمعهد العلوم السياسية في باريس، أن فرنسا في متاهة سياسية منذ الانتخابات التشريعية. قائلا إنه "لا توجد سابقة في الجمهورية الخامسة [بعد العام 1958] للوضع الذي نحن فيه". "هذا الوضع لا يمكنه إلا أن يكون مؤقتا - الجميع مستعدون للانتخابات المقبلة، سواء كانت انتخابات عامة أو رئاسية. وفي الحقيقة، الأمر لا يتعلق بتشكيل حكومة، بل بتوظيف حملة انتخابية". وفي الوقت ذاته، تبقى تحركات الأحزاب للضغط على ماكرون غير مجدية. فقد هددت شخصيات بارزة من حزب "فرنسا الأبية" الأحد بعزل الرئيس إذا لم يعين كاستيه رئيسة للوزراء، في موقف عارضه شركاؤهم. خاصة وأن أي محاولة عزل يجب أن تمر عبر موافقة ثلثي مجلسي البرلمان. ولحد الآن، يبدو أن ماكرون هو سيد الوقت. إذ يرى تود أن ماكرون يلعب على الزمن على أمل رؤية سقوط القوى المصطفة ضده في صراع داخلي. وقال الأستاذ في العلوم السياسية " أعتقد أن الرئيس ينتظر فقط أن يجعلوا أنفسهم محل سخرية ليصبح حزبه وحده هو الخيار المقبول". ولكن قد لا يكون هو الوحيد الذي يأمل في هكذا لعبة. ويترقب الوضع كل من مارين لوبان وجوردان بارديلا الذي حل حزبهما اليميني المتطرف التجمع الوطني في المركز الثالث في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية. وسيجتمعان مع ماكرون الإثنين المقبل. ويبقى الغموض سيد الموقف بخصوص ما إذا كانا يأملان الخروج بشيء من مشاوراتهما مع الرئيس. خاصة بعد قرارهما، على ما يبدو، عدم المشاركة في أي ائتلاف ينتج عن هذه المشاورات. وبدلا من ذلك، يرجح تود تطلع الحزب لتحضير الانتخابات الرئاسية للعام 2027. وأردف تود قائلا بخصوص حزب التجمع الوطني "ما زلت أعتقد أنهم سيخرجون فائزين من هذا الصراع السياسي، لأنهم لحد الآن غير متورطين". وأضاف "من خلال بقائهم على الهامش، أصبحوا الوحيدين الذين يُنظر على أنهم غير متورطين بشكل كبير في المناورات السياسية". "عرقلة التغيير السياسي" يتمتع رئيس فرنسا بصلاحيات تمنحه سلطة هائلة في الجمهورية الخامسة. فلا يوجد مثلا نص أو قانون في تشريع البلاد يجبره رسميا على تحديد متى يجب تعيين رئيس وزراء بعد الانتخابات التشريعية، أو حتى من يجب تعيينه، بالرغم من إمكانية التصويت على حجب الثقة ضد مرشح يفتقر لدعم برلماني. هذا، وقد جلب تأخير ماكرون في تسمية رئيس للوزراء الأنظار وأثار امتعاض آخرين. إذ صرحت زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه خلال الألعاب قائلة: "هذه الهدنة الأولمبية ليست فقط لأن إيمانويل ماكرون متعب، بل لأنه يريد ربح الوقت"، وأضافت أن الرئيس كان يحاول "عرقلة أي محاولة للتغيير السياسي". وفي السياق، أوضحت فيديريكا جينوفيز، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، أنه حتى ولو بدا أن الرئيس يستغل سلطات منصبه بالكامل، فإن الركود السياسي لم يكن من صنعه لوحده. وقالت: "أعتقد أن ماكرون أدرك واستغل أهمية السياسة الشخصية، وأعطى نفسه دورا كبيرا في العملية كلها، الأمر الذي يكون قد وضع المؤسسات وصنع السياسات في خطر شديد." وأردفت "مع ذلك، أعتقد أن حالة عدم اليقين والغموض كانت موجودة منذ البداية وأسبابها هيكلية لا يتحملها ماكرون لوحده". "فضيحة حقيقية" وبينما تستعد الأحزاب السياسية الفرنسية للقاء رئيس الجمهورية، لم تبق الحكومة المؤقتة مكتوفة الأيدي. إذ قام رئيس الوزراء المستقيل غابريال أتال مساء الثلاثاء، بتوجيه الرسائل التي تحدد سقف الأموال والوظائف الممنوحة لكل وزارة، في مبادرة أوضح مكتبه أن هدفها هو السماح للفريق الحكومي المقبل بوضع ميزانية، فيما ندد اليسار بـ"فضيحة حقيقية" وخطوة "مذهلة"، منتقدا الاستمرار في سياسة "التقشف". فبموجب هذا التحديد سيتم تجميد الإنفاق الحكومي لسنة 2025 عند المستويات الحالية. وبالنظر إلى التضخم الحالي في البلاد، يمثل هذا التجميد حوالي 10 مليارات يورو من تخفيضات الميزانية، وهو ما يتماشى وسياسة الحكومة المنتهية ولايتها في خفض العجز العام في البلاد. وبخلاف اختيار رئيس الوزراء، فإن إعداد وإقرار ميزانية فرنسا يتبع جدولا زمنيا صارما، حيث يجب أن يمر مشروع الميزانية على البرلمان في بداية أكتوبر المقبل بعد سلسلة من المشاورات. ثم إقراره قبل الأول من يناير من العام التالي. وعلى الرغم من تأكيد مكتب رئيس الوزراء على أن الميزانية يمكن أن تغيرها الحكومة الجديدة والبرلمان أيضا إلا أن قرار أتال أثار استياء بعض اليساريين، الذين أدانوه واعتبروه استمرارا لتدابير التقشف "الماكرونية" ويفتقد لسمات الديمقراطية. ووصفت نائبة البرلمان الأوربي عن حزب "فرنسا الأبية" مانون أوبري في مقابلة لقناة أل سي إي الإخبارية (LCI) قائلة: "نحن في وضع غريب جدا. لدينا رئيس وزراء مؤقت يقوم بتوجيه تعليمات إلى وزراء مؤقتين يعلم الجميع أنهم سيذهبون ..." ولم يكن هذا الإجراء الوحيد الذي اتخذته حكومة تصريف الأعمال الذي أثار الاستياء. فمنذ استقالتها الجماعية في يوليوز الماضي، أصدرت هذه الحكومة عددا من المراسيم التي اتُهمت بتجاوز صلاحياتها المتمثلة في تسيير شؤون البلاد اليومية. ويتعلق الأمر بمجموعة من المراسيم الوزارية كالسماح بتعليق أيام الراحة الإلزامية لبعض العمال الزراعيين، خاصة خلال فترات الحصاد الكثيفة، إلى جانب ملايين اليورو في تخفيضات التمويل لهيئة قضائية مخصصة لحماية القُصَّر، وكذلك تجميد 10 مليارات يورو في الأرصدة المخصصة للميزانية الإضافية، وغيرها. وواصلت الحكومة المنتهية ولايتها إصدار مراسيمها بدون تسطير أي حد لذلك. ولكن توضح جينوفيز أن مسألة ما إذا كانت الحكومة المؤقتة تتجاوز صلاحياتها لم تكن واضحة على الإطلاق، وقالت: "لا أستطيع التعليق على تفاصيل العمل اليومي لأتال، لكن فهمي هو أنه كان مستعدا للاستقالة وتم الإبقاء عليه في منصبه بدون رؤية واضحة لما سيحدث بعد ذلك".