بعد فضيحة “مافيوزية” جديدة: سلطات طنجة مستمرة في صمت مريب..!

المساء اليوم – طنجة:

رغم مرور عدة أيام على واحدة من أكبر الفضائح البيئية في المغرب، بل وفي العالم، لا تزال سلطات طنجة تلتزم الصمت، في وقت تكبر التساؤلات حول الفراغ السلطوي الرهيب في المدينة.

وقبل عدة أيام، نشر الموقع الإلكتروني الإخباري “كود” تحقيقا مثيرا عن جريمة بيئية غير مسبوقة، ضحيته مياه مضيق جبل طارق، وهي فضيحة كان بطلها، مرة أخرى، عمدة طنجة، منير ليموري، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة.

والمثير في هذه الجريمة الجديدة لعمدة طنجة هو أنها تشبه سلوكات رجال العصابات، الذين لا يتورعون عن اقتراف أي شيء من أجل المال، حتى لو كان الأمر يتعلق بتدمير البشر والارض والبحر.

ومما زاد من فداحة هذه الجريمة هي أن تبعاتها خطيرة جدا حتى على المستوى الدولي، لأن مسرحها هو مضيق جبل طارق، أي أنها تشمل المغرب وإسبانيا، كما أنها حدثت في ممر بحري دولي تمر منه قرابة مائتي ألف ناقلة بحرية في العام.

وكشف تحقيق “كود” تقارير عن تفاصيل هذه الكارثة البيئية المستمرة منذ عام، والتي تدرك تفاصيلها سلطات المدينة، ومع ذلك فضلت الصمت، وهذا في حد ذاته تواطؤ مع المجرمين، أما في حال عدم علم السلطات بما يجري فإن الفضيحة أكبر بكثير.

وتتلخص تفاصيل هذه الفضيحة المهولة في كون شاحنات صهريجية عملاقة لا تحمل أية علامة تدل على هويتها، تقوم يوميا بتفريغ كميات ضخمة من مادة “الليكسيفيا” الخطيرة جدا، المعروفة بعصير الأزبال، في محطة ضخ المياه العادمة التابعة لشركة “أمانديس”، قرب شاطئ مرقالة، قبل أن يتم تصريفها مباشرة في مياه البحر.

ويقول خبراء إن مادة “الليكسيفيا” تعد واحدة من أخطر السوائل السامة في العالم، حيث تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية قاتلة، من بينها الزرنيخ، الزئبق، الرصاص، الكادميوم، والنحاس، ومواد أخرى، وهو ما يعني دمارا شاملل لصحة الإنسان أولا، بالإضافة إلى مخاطره الكبيرة على البيئة، وأيضا الحياة البحرية بجميع أصنافها.

غير أن كل هذا لا يكفي، لأن الأكثر بشاعة في هذه الجريمة، التي يشرف عليها عمدة طنجة المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، هو أن الكميات التي يتم صرفها في البحر يوميا تعتبر خيالية، حيث تقوم شاحنتان صهريجيتان بشكل يومي برحلات من المطرح العمومي للنفايات بجماعة “المنزلة”، بضواحي طنجة، مباشرة نحو محطة الضخ بكورنيش مرقالة، بجوار الميناء الترفيهي “مارينا”، وأيضا بجوار ميناء الصيد البحري، وهناك حيث يتم إفراغ حمولة تقدر بـ 25 ألف لتر لكل شاحنة، بمعدل 8 رحلات يوميا، أي ما يعادل 200 ألف لتر من مادة الليكسيفيا تلقى يوميا في البحر، وإذا ضربنا هذا الرقم اليومي في 365 يوما، أي عدد أيام السنة، فإننا سنجد صعوبة كبيرة في استيعاب أن هذه الجريمة تحدث يوميا في بلد فيه حكومة ووزير داخلية، وفي مدينة يوجد بها والي وسلطات وأجهزة منتخبة وجمعيات بيئية.

ووفق ما أورده موقع “كود” فإن الشاحنات التي تقوم بهذه الرحلات الإجرامية يوميا لا تحمل أية إشارة تظل على هويتها، غير أن سائقيها يرتدون بدلات شركة “أرما”، المكلفة بتدبير المطرح العمومي، وهو ما يزيد من تناسل الأسئلة المحيرة، حيث يبدو واضحا محاولة إخفاء الجهات المشرفة على هذه الجريمة، وهو شيء لا يحدث سوى في طريقة عمل العصابات وليس في طريقة عمل الجماعات المنتخبة والشركات.

ومما يفسر، نسبيا، محاولات إخفاء هوية المتورطين في هذه الجريمة الكبيرة، هو أن  المطرح العمومي لا يتوفر على وحدة معالجة متخصصة لمادة “الليكسيفيا” السامة جدا، كما أن شركة “أرما” لا تتوفر على الموارد البشرية أو التقنية اللازمة للتعامل مع هذه المادة الخطيرة، وهو ما يجعل تفريغها في البحر جريمة بيئية بمقاييس عالمية، ومع ذلك فإن شركة “أرما” تتوصل كل عام بأزيد من 2 مليار سنتيم، مباشرة من عمدة الأصالة والمعاصرة، منير ليموري، وهذه فضيحة أخرى تحتاج لملف خاص.

وحتى الآن، فإن كل هذه المعطيات الخطيرة لم تحرك سلطات طنجة، وعلى رأسها والي الجهة يونس التازي، الذي يفترض أن يتحرك بسرعة من أجل تقديم تفسير واضح وشامل، ليس لسكان طنجة فقط، بل للمغاربة عموما، لأن حجم أضرار هذه الجريمة لا تتوقف عند حدود طنجة، بل تمتد لمسافات طويلة، حيث تنقل التيارات البحرية هذه السموم الخطيرة إلى مناطق بعيدة، وقد تتضرر منها بلدان أخرى.

ويعتقد السكان أن الصمت المشبوه لسلطات طنجة قد يكون محاولة أخرى لجعل الفضيحة تمر في صمت، كما مرت الكثير من الفضائح الأخرى في المدينة خلال الأشهر القليلة الماضية.

غير أن حجم الفضيحة الحالية وعواقبها الكارثية على الطبيعة والإنسان، وكذلك امتداداتها الدولية، ستجعل محاولة تناسيها وطمسها عملية صعبة جدا، وهو ما يجعل الرأي العام يترقب ردا سريعا من الوالي التازي، بل ومن وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت شخصيا، وفي حال استمرار الصمت، فإن شكوك السكان ستحقق فعلا وتثبت نظرية المؤامرة.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )