هفتي ضرار لم يكن الجيش الإسباني، عبر تاريخه الطويل، مجرد جهاز إداري تابع للدولة، بل كان في الوجدان الجمعي عنوانا للسيادة وتجسيدا لهيبة السلطة ورمزا لوحدة الأمة في لحظات السلم والحرب. غير أن هذه الصورة التي تشكلت عبر قرون من الانضباط تواجه اليوم أزمة صامتة لكنها عميقة، أزمة نقص التجنيد واستنزاف الرأسمال البشري داخل القوات المسلحة الإسبانية. وتفيد المعطيات الرسمية الصادرة عن Ministerio de Defensa وObservatorio de la Vida Militar أن العدد الإجمالي للعسكريين المحترفين في الخدمة النشطة لا يتجاوز اليوم نحو 116700 جندي، وهو رقم يظل بعيدا عن السقف القانوني الذي حددته الدولة منذ سنوات، والممتد بين 130000 و140000 جندي. هذا الخلل العددي، الذي يناهز 23000 منصب شاغر، لم يعد ظرفيا أو عابرا، بل تحول إلى معطى بنيوي يضغط على الجاهزية العملياتية ويثقل كاهل الوحدات القائمة. وتقر السلطات الإسبانية نفسها بهذا العجز، إذ التزمت مدريد أمام حلف شمال الأطلسي OTAN برفع عدد أفراد قواتها المسلحة بنسبة تقارب 11 في المئة في أفق سنة 2035، أي ما يعادل إضافة نحو 14000 جندي، ضمن خطة أشمل ترمي إلى الاقتراب من عتبة 140000 عنصر. غير أن الفجوة بين التعهدات الدولية والواقع الميداني تظل واسعة، في ظل استمرار تراجع الإقبال على الجندية. غير أن أزمة التجنيد هذه لا يمكن قراءتها من خلال لغة الأرقام وحدها. فهي أزمة تتجاوز البعد العددي لتطال معنى الجندية ذاته ومكانة الجيش في الوعي الجماعي. فالشباب الإسباني، في زمن اقتصاد السوق وتعدد الفرص المدنية، لم يعد يرى في الخدمة العسكرية ذلك المسار الذي يضمن الاستقرار والاعتراف الاجتماعي، بل كثيرا ما ينظر إليها كمهنة شاقة، محدودة الأفق، تنتهي في سن مبكرة دون ضمانات كافية للاندماج المهني والاجتماعي. وإلى جانب العامل الاقتصادي، برز خلال العقدين الأخيرين تحول أكثر عمقا وحساسية، يتمثل في التحول القيمي داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فمنذ تقنين وجود العسكريين المثليين داخل الجيش، وما رافقه من اعتماد سياسات التنوع والشمول، دخلت القوات المسلحة مرحلة جديدة من إعادة تعريف ذاتها. وقد أصبحت قضايا الهوية الجنسية، أو ما يرد في الخطاب الرسمي تحت مسمى homosexualidad جزءا من النقاش العمومي المرتبط بصورة الجيش ووظيفته. وتشير خلاصات دراسات صادرة عن Real Instituto Elcano وتقارير تقييمية مرتبطة بالوسط الأطلسي إلى أن هذا التحول، رغم انسجامه مع الإطار القانوني والدستوري، أحدث توترا صامتا داخل بعض الوحدات، وولد شعورا بالاغتراب لدى فئات من الجنود والمتقدمين المحتملين، خاصة أولئك القادمين من بيئات محافظة ترى في الجيش فضاءً للصرامة والتجانس والانضباط، لا امتدادا للصراعات القيمية التي تعرفها الساحة المدنية. ومن جانب آخر، يعكس الجيش الإسباني اليوم تنوعا عرقيا وإقليميا واضحا، إذ يضم جنودا من خلفيات متعددة، بما في ذلك أبناء الجاليات المغاربية، سواء ممن ولدوا في المغرب العربي أو من آباء وأمهات مغاربة، إضافة إلى جنود من دول إفريقيا جنوب الصحراء. هذا التنوع الثقافي، وإن كان يعكس روح الانفتاح والاندماج في مؤسسات الدولة الحديثة، فإنه أحيانا يولد تحديات رمزية في تصور الهوية العسكرية التقليدية، خاصة لدى الفئات التي تنظر إلى الجيش كمؤسسة موحدة ذات هوية ثقافية محددة. ولا يتعلق الأمر هنا برفض قانوني أو أخلاقي للمثلية الجنسية، بل بأثر رمزي غير مباشر على صورة الجندية. فحين يتحول الجيش، في المخيال العام، من مؤسسة قتالية ذات هوية واضحة إلى فضاء منشغل بتقديم صورة مدنية معدلة، يفقد جزءا من جاذبيته لدى فئات تبحث عن معنى صلب للخدمة وعن هوية مهنية مستقرة. وتعزز هذه الإشكالية حالة التردد التي تطبع الخطاب الرسمي حول وظيفة الجيش ودوره الاستراتيجي. فبينما تؤكد مؤسسات مثل Centro Superior de Estudios de la Defensa Nacional على مركزية الجاهزية القتالية، يلاحظ في الخطاب السياسي والإعلامي ميل متزايد إلى تحييد البعد الردعي وتغليفه بلغة حذرة، وهو ما يضعف رمزية المؤسسة في زمن تعرف فيه البيئة الجيوسياسية الأوروبية توترا غير مسبوق. أزمة التجنيد في الجيش الإسباني، في جوهرها، ليست أزمة عدد فقط، بل أزمة معنى وهوية، وأيضا أزمة مؤسسة لم تعد قادرة على تقديم سردية واضحة للجندية، توازن بين مقتضيات التحول القيمي ومتطلبات الانضباط والجاهزية. وفي غياب هذه السردية، يصبح العزوف عن الالتحاق قرارا فرديا صامتا، لكنه يتراكم ليشكل ظاهرة جماعية مقلقة. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه صناع القرار اليوم لا يكمن في رفع عدد مباريات التجنيد أو تعديل شروط القبول، بل في إعادة الاعتبار لمعنى الجندية ذاته، بوصفها خدمة وطنية ذات قيمة، وهوية جامعة، ومسارا يستحق التضحية. فبدون استعادة هذا المعنى، سيظل الفرق قائما بين جيش يراد له أن يبلغ 140000 جندي، وجيش لا يتجاوز فعليا عتبة 116700، في زمن لا يرحم المؤسسات المترددة ولا الدول التي تفقد وضوح بوصلتها.