fbpx
رأي

إريك زيمور .. دولة لتدمير قيم الجمهورية الفرنسية

عبد الصمد بن شريف

استطاع الصحافي والكاتب السياسي إريك زيمور، أن يفرض نفسه في فرنسا بشكل لافت في النقاش العمومي، فهو موجود في كلّ مكان، في التلفزيونات والإذاعات. لا يملّ من الحوارات مع الصحافة المكتوبة. إطلالاته العاصفية وتفكيره المتطرّف وكراهيته وعنصريته وقراءته التضليلية للتاريخ وتشبّعه بالثقافة السجالية المتعالية، كلّها عناصر جعلت منه رمزاً متطوّراً لليمين المتطرف، خصوصاً عندما نجح في فرض نفسه في قلب اللعبة الانتخابية، حين انتقل، في بضعة شهور، من وضعية الملاحظ والمعلق على الأحداث إلى مرشّح للرئاسة، فهو يسوّق نفسه بطريقة العارف بأسرار التواصل السياسي وخباياه، وتروّج عنه وسائل الإعلام صورة مفارقة إلى درجة التواطؤ.

أصاب هذا الاختراق المزعج الذي حققه إريك زيمور جزءاً لا يستهان به من الفرنسيين بالذهول، بما في ذلك النخب والقوى السياسية وصنّاع الرأي العام. ظهر منذ البداية عنيفاً ومندفعاً ومبهراً، حتى لو استعمل في سبيل ذلك لغة مفخّخة، وخطاباً يمزج بين التاريخ والفلسفة والسياسة والأيديولوجيا والهوية والأدب، ويظهر قدرة جبارة على تفكيك الأحداث وتحليلها وتكييفها وفق مزاجه وأجندته.

إريك زيمور، المرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية (إبريل/نيسان 2022) جزء من منظومة ثقافية وقيمية وأيديولوجية تقتات على الشعبوية التي تعزّزت وتقوّت بشكل خاص بعيد الأزمة الاقتصادية والمالية 2008، والتي أخذت، في أعقاب ذلك، في الترسّخ والتجذّر، إلى أن مكّنت بعض القوى الشعبوية اليمينية المتطرّفة، من الوصول إلى سدّة السلطة في عدة دول أوروبية عُرفت بعراقتها الديمقراطية وتماسك مؤسساتها التمثيلية. ومن العوامل التي قادت إلى هذا المنعطف ردود الأفعال لعدد من التيارات ضد إفرازات العولمة، فبحسب هذه التيارات، فإنّ التراجعات المتتالية التي عرفتها نسب النمو الاقتصادي في الدول الرأسمالية التقليدية، وتضرّر عدد من الصناعات فيها، بسبب المنافسة الشرسة، أدّى إلى ارتفاع مزعج في نسبة البطالة، وأثر سلباً على القدرة الشرائية لفئات كبيرة من المجتمعات الغربية، وألحق ضربةً ماحقةً بمستوى عيشها.

وكأيّ تيارات أو حركات تسعى إلى الوصول إلى السلطة، كان لا بدّ أن تظهر شخصيات، يُفترض أنّها تتوفر على كاريزما مقنعة وقدرة فائقة، لقيادة الجموع المتذمّرة جرّاء الأوضاع المعيشية التي آلت إليها، لاعتباراتٍ وعوامل كثيرة ومتداخلة، ليست بالضرورة مرتبطة بوجود الآخر- المهاجر. ومعروف أنّ لدى التيارات الشعبوية حساسية مفرطة تجاه النخب السياسية التقليدية ومؤسساتها التي شيّدتها سنوات وعقوداً، فهذه التيارات جُبلت على معاداة دولة المؤسسات، لأنّ هذه الدولة، حسب اعتقادها وظنها، تعيق سياستها وتحاصر أطروحتها الشعبوية. ويعكس رفض الشعبويين المؤسّسات، طريقة تفكيرهم التي عادة ما تفتقد إلى الأصول والأسس الفكرية والمنهجية في العمل وفي خطابهم السياسي. ويبقى الطابع المهيمن على ذهنية جزء كبير منهم الغوغائية، والافتقار إلى الخبرة والتمرّس السياسي والمؤسساتي، إلى درجة أنّ بعضهم يصل، عبر صناديق الاقتراع، إلى مركز صناعة القرار السياسي، من دون خوض تجربةٍ سياسيةٍ فعليةٍ سابقة.

وتتجلى أساسيات إريك زيمور ومرتكزاته في شعبوية عالمة متعالية، تكرّس الإقصاء وتلغي الآخر وتسمو عليه. تتهم المهاجر وتجرّمه وتحمّله مسؤولية كلّ الأزمات التي تعرفها فرنسا. ينزع نحو استعمال العنف اللفظي والسلوكي وغياب الحوار، بل استحالته مع هذا الآخر، إضافة إلى التحريض ضد المسلمين، وتأليب الرأي العام الأبيض ضدهم، ووضعهم في موقع الغزاة والإرهابيين الذين يريدون احتلال فرنسا وأسلمتها. وعليه، قرّر، في حال وصوله إلى “الإليزيه”، أن يمنع تداول اسم محمد.

ومن سمات الأطروحة التي يدافع عنها إريك زيمور تفريق المجتمع الفرنسي وتفتيته، وزرع بذور حرب أهلية بين مجموعة متجانسة وأخرى تصنّف في خانة المتهَم، وتتناسل الثنائيات لدى منظّريها، فيضعون الشعب النقي مقابل النخبة الفاسدة. وينصّبون أنفسهم مدافعين وممثلين لهذا الشعب، مقتنعين في ذلك بأنّ إرادة الشعب هي الدينامو الذي يحرّكهم. ومن هذا المنطلق، يرون أنّه يحقّ لهم احتكار التحدّث باسم الشعب، لأنّهم الممثل الوحيد والشرعي له. ويُرجعون صعود نجمهم واكتساحهم في أكثر من بلد إلى أنّهم يدعمون الكادحين والمستغلين من المؤسسات القائمة. وهكذا يرى زيمور أنّه وحده على حق وعلى صواب، وأنّ الخلل في مفاصل النظام. وهو يلتقي مع الشعبوية الاستبدادية التي تشبّع بها الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الذي شكك في كفاءة الرؤساء الأميركيين السابقين. وقد استفاد من وضع اجتماعي مقلق، ومن حملة انتخابية لم تعثر بعد على منهجية ولا على إيقاع ينظمها ويؤطرها. وهكذا راح ينشر سمومه وأفكاره بشكل علني ومفضوح، لينزل بالنقاش الديمقراطي إلى الحضيض، أي إلى مستويات متدنية غير مسبوقة.

الانتخابات الرئاسية الفرنسية بعيدة، وأثبتت الحملات الانتخابية السابقة أنّ حقائق الخريف دائماً تنقصها وقائع الربيع، بيد أنّ إريك زيمور أطلق حزباً سياسياً ينطوي على دلالاتٍ حمّالة أوجه، وقابلة لكلّ التأويلات. ويصعب التكهن بحجم الاكتساح والاستقطاب الذي يمكن أن يحققه، لكنّ ماكينة إعلامية وراءه تتشكل من مجموعة بولوري (تملك قناة س نيوز وأوروبا 1 وكنال بلوس وC8TV ومجلة باري ماتش ولوجورنال دو ديمانش ومجلة Gala). وتتحمّل هذه المجموعة النصيب الأوفر والمسؤولية الأساسية في شهرة السجالي زيمور. ويمكن القول إنّ ما كان يبدو مجرد خيال أصبح حقيقة في المشهد السياسي، إلى درجة أنّ استطلاعات للرأي أنجزت أخيراً رشحته أكثر من مرّة للوصول إلى الدور الثاني.

وإن كانت هذه التوقعات لم تصمد كثيراً مع التقدّم الملحوظ الذي حققته مرشحة الجمهوريين، فاليري بيكريس، التي باتت أقوى مرشحة للتنافس جدّياً على منصب الرئاسة في مواجهة الرئيس المرشّح إيمانويل ماكرون، خصوصاً في ظلّ تشتت قوى اليسار ومكوناته وتفتتها، واحتمال حصولها على أصوات حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبين، وأيضاً أصوات حزب الاسترداد الذي أسّسه زيمور. والمثير في المشهد أنّ الأخير يحرص على الاستمرار على إيقاع هذه الدينامية الخطية، عبر تلويث النقاش العمومي وتلغيمه، ومن خلال تصريحات تنضح عنصرية ورجعية ومحافظة، إضافة إلى تهجّمه على مكتسبات المجتمع الفرنسي التي تحقّقت على امتداد عقود. وما يقوم به هو ثورة مضادّة تعني العودة العبثية المؤسطرة إلى مجتمع ضائع وفاقد البوصلة حسب أطروحته، حيث يتحتم أن يهيمن الرجل الأبيض، وحيث الحدود سيتم إغلاقها ومراقبتها بشكل صارم، وحيث النساء سيقبعن في المطابخ.

وأمام هذا الهجوم المنفعل والهستيري لزيمور وغزوه المدهش المجال العمومي، أصبح من الأمور المستعجلة بالنسبة للقوى المدافعة عن قيم الجمهورية وثوابتها التاريخية، الخروج من هذه الأزمة الطارئة التي يثيرها الصعود المفاجئ لهذا الشخص السجالي، بمواجهته وفضح أفكاره بلا تردّد على أرض الواقع، وتفكيك نسيجه ونسقه الفكري ووطنيته اليمينية المتطرّفة. وفي المقابل، يجب مواجهة كل أشكال القدرية السياسية المفروضة، وتسويق خطابٍ يحمل قيماً نقيضة وبديلة تقدّمية إنسانية متسامحة، وهو ما يتقاطع مع أطروحة “الشعبوية اليسارية” التي تتبنّاها المنظّرة البلجيكية، شانتال موف، لمواجهة استفحال اليمين الشعبوي في أوروبا، وهو استفحال ترى أنّه ناتج عن سخط فئات كثيرة على غياب الديمقراطية، بما هي ممارسة سياسية تمنح المعنى للحياة السياسية. وترى أنّنا نعيش في مجتمعات “ما بعد ديمقراطية”. ويعود هذا إلى ضبابية الفوارق بين اليمين واليسار، وهي حالة تسمّيها شانتال “ما بعد السياسة” والتي تنبع من حقيقة أنّ الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية قتلت، مبدئياً، فكرة عدم وجود بديل للعولمة النيوليبرالية. ولذا، عندما يذهب المواطنون إلى التصويت، فإنّهم لا يملكون خياراتٍ، بسبب ضبابية الفوارق الجوهرية بين برامج اليمين المعتدل واليسار المعتدل.

يشكّل إريك زيمور تحدّيا وجودياً مستفزّاً، يواجه كلّ المدافعين عن قيم التعايش والتعدّدية الثقافية والهوياتية، خصوصاً لمرشّحي اليسار الذين يجب أن يدافعوا عن قيم الديمقراطية التي يدمرها زيمور، فهو يعتبر هذه القيم العدو الأكبر لفلسفته ورؤيته لفرنسا المتحرّرة من المهاجرين والمسلمين، علماً أنّه لا وجود له خارج السجال والتلاعب بالكلمات والمفاهيم، وإنْ توجّه إليه الدعوات في ساعات مشاهدة جماهيرية عالية، وتكتظ واجهات المكتبات بكتبه ذات العناوين المثيرة، مثل “الانتحار الفرنسي” و”فرنسا لم تقل كلمتها بعد”. وطبيعي أنّ من يعمل على تسويق انحرافاته اليومية المتسمة بالنزوع نحو التفرقة والتمييز والتقسيم واستفزاز مشاعر مرجعيات ثقافية ودينية أخرى ومعتقداتها، يساهم في ترويج فكر متعصب، ويرتكب جريمة بشعة بطريقة انتهازية في حق مبادئ أساسية شكلت تاريخياً عصب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية في فرنسا ومدماكها.

ويصل الغلوّ بالعنصري إريك زيمور، إلى اعتبار الإسلام شبحاً مرعباً ومشروعاً لتخريب المجتمع الفرنسي، كونه لا يتماشى مع قيم الجمهورية. ولهذا يعد بحربٍ حضارية، لاستعادة ما يسميها، بكثير من التعصب والنرجسية، الهيمنة الفحولية، من منطلق أنّ سطوة الإنسان الأبيض وسلطته مهدّدتان من المهاجرين. وتبعاً لذلك، يرى أنّ غياب فحولة الرجل الأبيض أدّى إلى ترك النساء الفرنسيات للمهاجرين، وكأنّ فرنسا تحتاج إلى تخصيب مستورد من الخارج، فهو يعتبر أنّ فرنسا فضلت ليونة الاستقبال والاندماج وجعلت منها خطاباً رسمياً، وهذا دليل على الهشاشة والضعف الفرنسي الذي يحيل إلى الأنثوية النسوية.

الجوهري في هذا كله أنّ زيمور يسعى إلى أن تكون فرنسا نقية عرقياً، ونظيفة مثل غسيل خرج لتوّه من الغسالة. إنّه رجل الضجيج والضوضاء السياسية والمغالطات والتضليل. وكأنّه يريد أن يقول: “توقفوا جميعاً واتركوني أمرّ” معتقدا أنّه مركز العالم. لا يريد أن يزعجه أحد يحمل اسم محمد. لكن من حقه أن يزعج ويستفز، لأنّه في منزله، ويقصد فرنسا. كأنّه يريد، في هذه المنازلة السجالية الملغومة، تخليص الجنس البشري وتحريره من الجنس البشري. إنّه يحلم بفرنسا منمطة وجامدة في الزمان والمكان، بوجه واحد ولون واحد، هو وجهه ولونه الذي ينبغي أن ينسخ بملايين النسخ، وهذه فاشية ونرجسية مزمنة وقهرية، وبارانويا تتغذّى على الشك والاعتقاد، بوجود تهديد في الأفق سيسحق الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!