fbpx
رأي

من أين لنا إصدار لائحة اتهامية ضد بوتين في محكمة الجنايات الدولية؟

غوردون براون

نزولاً عند طلب 39 دولة، وبوجود كريم خان في منصب المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية ICC، أصبح فلاديمير بوتين خاضعاً للتحقيق للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا.

وهذه التهم تتعلق باستهداف المدنيين الأبرياء عبر الاغتصاب، والتعذيب، وبتر الأعضاء، وقصف المستشفيات والمدارس والمنشآت العامة، وانتهاك القوات الروسية التزامها احترام الممرات الإنسانية وخرق اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها. وإذا كانت التقارير التي وردت، أخيراً، دقيقة أيضاً [فستشمل لائحة الاتهام] استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة [دولياً]. وهذا الأسبوع، ولأول مرة وجه الرئيس جو بايدن اتهاماً لروسيا بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وهي تهمة لطالما كانت الولايات المتحدة مترددة في اللجوء إليها حتى حين الادعاء بوقوع عمليات تطهير عرقية في مناطق مختلفة من العالم.

الإثنين الماضي، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شركاء بلاده الدوليين بدعم عملية إنشاء محكمة عسكرية دولية خاصة للتحقيق في ارتكاب جرائم حرب من قبل المعتدين الروس على الأراضي الأوكرانية. واليوم، ها نحن نقوم بنشر نص لائحة اتهام جنائية أعدت ضد الرئيس بوتين لبدئه وشنه حرب روسيا العدوانية. وتظهر لائحة التهم تلك التي قد يمكن للمدعي العام رفعها أمام المحكمة الدولية طبيعة وخطورة القضية.

وفيما أن هناك ثغرة قانونية قد تعني أن محكمة الجنايات الدولية لن يمكنها النظر في قضية تتعلق بعدوان ارتكبته روسيا- لأن كلاً من أوكرانيا وروسيا لم توقعا على معاهدة تأسيس محكمة الجنايات الدولية- ففي المتناول اللجوء إلى تأسيس محكمة خاصة بطلب من أوكرانيا وبدعم من الدول التي تساندها. ويمكننا أيضاً وبتشجيع من الحكومة الأوكرانية ضم العريضة التي وقعها حتى الآن أكثر من مليون وسبعمئة ألف شخص، وخمسين رئيساً ورئيس حكومة ورجل قانون دولي من كل القارات في العالم أصقاع العالم المختلفة، وهذا هو ما اجتمعنا على المطالبة به حالياً.

ورداً على القائلين بأن مثل هذه المحكمة لن يبصر النور أبداً، وأنه ربما أننا بصدد الدخول في التزام يائس بعيد المدى لإرساء العدالة، دعونا هنا نقوم بتذكير الناس بأن محكمة نورمبيرغ [بعد الحرب العالمية الثانية] قد نجحت في معاقبة كبار معاوني هتلر، كذلك نجحت العدالة الدولية لاحقاً في معاقبة مرتكبي جرائم الحرب في كل من يوغوسلافيا وروندا وليبيريا. وحالياً يقبع زعيم ليبيريا السابق تشارلز تايلور في سجن بريطاني بعد إدانته بعقوبة السجن لمدة خمسين عاماً بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها.

وفيما أن عملية جمع الأدلة لربط أوامر الرئيس بوتين مباشرة بالارتكابات الشريرة قد اقتضى أشهراً من الأبحاث الجنائية المضنية، فإن جريمة ارتكاب جريمة شن العدوان والذي بدأ قبل فترة من الزمن عبر التخطيط والإعداد للاجتياح، قد يمكن تثبيته من خلال مستندات رسمية قد يمكن الوصول إليها وهي متاحة الآن وقد تؤدي إلى وضع لوائح اتهام ضد بوتين خلال أسابيع بحسب تأكيدات واضع هذه المبادرة البروفيسور فيليب ساندز.

إن العدوان جريمة الرئيس بوتين الأصلية كما تنص عليها لائحة الاتهام “بين المدعي العام في المحكمة التي ستشكل ضد الرئيس فلاديمير بوتين”، والتي أعدها رايان غودمان Ryan Goodman، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، وريبيكا هاميلتون Rebecca Hamilton، الأستاذة المشاركة في القانون في الجامعة الأميركية في واشنطن. وهذه الدعوى تتماشى مع الإعلان الذي اعتمدته دول الحلفاء في لندن في عام 1942، عندما أشهروا- وعلى نحو عبد الطريق أمام لإنشاء محاكمات نورمبيرغ Nuremberg في عام 1946- التزامهم بسوق هتلر وكبار معاونيه ضمن حلقته الضيقة إلى المحكمة لارتكابهم الأعمال العدائية والذي أطلقوا عليه في حينه توصيف “جرائم ضد السلم”.

لقد تم في نورمبيرغ Nuremberg إدخال تعريف “العدوان” واعتماده ليس فقط كجريمة دولية فحسب، ولكن كـ”جريمة دولية عليا” the supreme international crime وهي الجريمة التي تضم في جوانبها كافة الشر بأكمله، أي صنو تهمة شن العدوان”. وفي واحدة من المفارقات التاريخية، أن فكرة جلب القادة المجرمين لمحاكمتهم أمام القضاء الدولي قد أُسست في الاتحاد السوفياتي [السباق]، ويعود الفضل في ذلك إلى محام روسي هو آرون موشي تراينين Aron Moishe Trainin في وضع الأسس والمفاهيم لتعريف جريمة العدوان في حينه وهي قائمة حتى يومنا هذا.

اللائحة الاتهامية التي نشرت اليوم موجهة ضد الرئيس بوتين، لأن تعريف جريمة الاعتداء يمكن أن يقوم ضد مسؤولين كبار من روسيا كانوا- وفق معاهدة- Rome Statute [التي تشكلت على أساسها محكمة الجنايات الدولية]، كانوا في “مناصب تسمح لهم بالإمساك المباشر بمقاليد العمل السياسي والعسكري للدولة”. وهذا الاتهام يمكن أن يوسع ليشتمل على مقاضاة رئيس بيلاروس أليكسندر لوكاشينكو Alexander Lukashenko وغيره من كبار المسؤولين بسبب “مسؤولية دولتهم عن السماح باستخدام أراضيها ووضعها تحت إمرة دولة أخرى، ولكي تستخدم من قبل دولة أخرى للقيام بأعمال عدائية ضد دولة ثالثة”.

إن الجرائم التي أعلن عن وقوعها هذا الأسبوع، فيما كان بوتين يلجأ إلى اتخاذ إجراءات أكثر تهوراً وارتكابه [المزيد من] الجرائم البربرية، جعلت من اتخاذ إجراءات دولية ضده أكثر إلحاحاً وأكثر ضرورة. إن حلفاء أوكرانيا عليهم اليوم أن يمددوا العمل بتوسيع العقوبات وحظر السفر المفروض على روسيا وعليهم أيضاً تكثيف تقديمهم للمساعدات الإنسانية والعسكرية، وتوفير الدبابات وليس فقط مد كييف بالصواريخ المضادة للدبابات.

وحتى ذلك، قد يشعر الرئيس بوتين أن بإمكانه التحرك من دون الخوف من المحاسبة. “فعندما يتحالف الرجال الأشرار، على الرجال الجيدين أن يتحدوا أيضاً”، بحسبما كتب الفيلسوف إيدموند بيرك Edmund Burke، قبل حوالى 200 عام، “وإلا فإنهم سيقعون، الواحد تلو الآخر، وذهبت تضحية كل منهم أدراج الرياح في نضال جدير بالازدراء”. لذلك لقد حان الوقت لتوجيه رسالة بأننا لن نقف مكتوفي الأيدي، وأننا سنقف معاً ونلاحق بوتين حول العالم، ونصل إلى دائرة الأشخاص المقربين منه وأن نحذرهم من أنهم سيكونون عرضة للعقاب جراء الجرائم التي اشتركوا في التآمر على ارتكابها.

والأكثر أهمية ربما، هو ضرورة الاتفاق على أن مثل تلك الإدانة من شأنها أن توجه رسالة للمواطنين في أوكرانيا أن كل دول العالم تسهر عليهم، وأننا لن نسمح بوقوع جرائم حرب من دون محاسبة المسؤولين أو مقاضاتهم من دون الإفلات من العقاب. وتماماً كما نجحنا في إثبات ذلك في محاكمات نورمبيرغ، سنتخذ القرارات اللازمة لإرساء العدالة في مسألة أوكرانيا أيضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!