سبتة.. نصف طن من الحشيش يعيد فتح ملف التهريب عبر المضيق

المساء اليوم – متابعات:

 

في الساعات الأولى من صباح العاشر من دجنبر 2025، وبينما كانت مياه خليج الشمال في سبتة ما تزال أسيرة برودتها الشتوية، رصدت دورية للحرس المدني قاربا ترفيهيا صغيرا يتحرك ببطء غير مبرر على بعد نصف ميل بحري فقط من الساحل.

 

ما بدا كرحلة صيد عادية تحوّل بسرعة إلى عملية جديدة من عمليات تهريب الحشيش القادمة من السواحل المغربية.

 

وبعد سحب القارب إلى الميناء، كشف تفتيش دقيق، مدعوم بكلاب بوليسية مدربة، عن حجرة سرية محكمة الإغلاق في الجزء السفلي، بداخلها 500 كيلوغرام من الحشيش. قائد القارب، وهو مواطن إسباني من سبتة، جرى توقيفه وإحالته على التحقيق.

IMG 20251211 WA0032

هذه الواقعة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، ليست سوى حلقة في سلسلة تمتد منذ أكثر من أربعة عقود عبر مضيق جبل طارق. فالمسافة القصيرة بين الضفتين ـ 14 كيلومترا فقط ـ جعلت من المنطقة أحد أنشط الممرات العالمية لتهريب المخدرات منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما تحولت زراعة القنب في الشمال المغربي على الخصوص، من استعمالات صناعية وطبية إلى نشاط غير مشروع يغطي أكثر من مائة ألف هكتار، بإنتاج سنوي يتراوح بين 600 و800 طن، أي ما يفوق 90% من الاستهلاك الأوربي.

 

وتستغل شبكات التهريب بساطة التضاريس البحرية في المنطقة، إذ لا تحتاج الزوارق السريعة سوى لنصف ساعة لقطع المسافة بين الفنيدق وبليونش والقصر الصغير نحو شواطئ بارباتي وزاهورا ولا لينيا.

 

هذه الزوارق المزودة بأربعة محركات تبلغ قوتها 600 حصان تحمل بين طن وطنين في الرحلة الواحدة، وتفرغ حمولتها في دقائق معدودة قبل وصول أي دورية.

 

وحين يشتد الضغط الأمني على هذه الوسائل، تلجأ الشبكات إلى القوارب الترفيهية المسجلة في إسبانيا، وتخضعها لتعديلات في ورش سرية على السواحل المغربية لتتضمن قعورا مزدوجة قادرة على حمل مئات الكيلوغرامات دون إثارة الشبهات.

IMG 20251211 WA0033

ورغم ما يروّج أحيانا من حديث عن “تراجع التهريب” بسواحل تطوان وشفشاون، تؤكد مصادر أمنية مغربية وإسبانية أن النشاط لم يتوقف مطلقا، بل تغيّر شكله فقط. فقد انتقلت الشبكات من النقط المكشوفة في المضيق والفنيدق وبليونش وأوشتام إلى خلجان صغيرة بين القصر الصغير وواد أليان، مستفيدة من وعورة التضاريس وصعوبة المراقبة الجوية خلال الليل.

 

وفي الأشهر الماضية فقط، أحبطت البحرية الملكية محاولات متفرقة للإقلاع من بليونش وغرب القصر الصغير والديكي. فيما حجزت وحدات الدرك الملكي زوارق مجهزة قرب “كابونيغرو” ووادي أليان، وهو ما يثبت أن المنطقة ما تزال بؤرة نشطة رغم الضربات الأمنية المتتالية.

 

إلى جانب ذلك، تشير معطيات ميدانية إلى أن عددا من الشبكات يعيد إحياء المسالك القديمة الممتدة بين جنان النيش والجبْهة وواد لاو كلما ارتفع الضغط الأمني على المنطقة التقليدية للمضيق. هذه الشواطئ، الهادئة والمخفية بين الغابات والتضاريس الوعرة، كانت خلال التسعينيات وأوائل الألفية من أهم نقاط الانطلاق نحو الضفة الشمالية، وما تزال توفر اليوم للمهربين هامشا واسعا للمناورة. وقد رصدت وحدات البحرية الملكية خلال الأشهر الأخيرة محاولات محدودة في هذه السواحل، سواء عبر زوارق مطاطية مجهزة أو قوارب صيد معدلة، ما يكشف قدرة الشبكات على تغيير مواقعها كلما اشتدت المراقبة.

 

ورغم الاستثمارات الكبيرة التي ضختها السلطات الإسبانية خلال السنوات الست الماضية ـ أزيد من 52 مليون يورو لتعزيز الأسطول البحري والجوي واعتماد الذكاء الاصطناعي ـ فإن الأرقام تكشف محدودية التأثير، إذ لم تتجاوز المحجوزات 199 طنا سنة 2024، وهو أدنى رقم منذ عقدين، مقابل تقديرات تشير إلى أن 70% من الحشيش يصل في النهاية إلى وجهته داخل أوروبا.

 

وتظل سبتة ومليلية، وفق مصادر رسمية إسبانية، “موانئ شبه حرة” للمخدرات داخل الاتحاد الأوربي، بالنظر لوضعهما القانوني الذي يسمح بدخول البضائع إلى السوق الأوربية الموحدة دون المرور عبر الحدود الخارجية.

 

وفي الضفة الجنوبية، يظل الريف المغربي رهينة لاقتصاد الكيف الذي ينهك غاباته وموارده المائية، ويضع آلاف الأسر في دائرة الهشاشة والمساطر المرجعية والممارسات القضائية والشكايات الكيدية، بينما تستمر الأرباح الضخمة في التدفق نحو الشبكات الإجرامية والوسطاء.

 

إن ما حدث في خليج الشمال قبل أيام ليس مجرد حادث عابر، بل تأكيد يومي على أن المسافة القصيرة بين المغرب وإسبانيا ليست مجرد حدود بحرية، بل نقطة احتكاك دائمة حيث يتقاطع الطلب الأوربي المرتفع مع التفاوت التنموي بين الضفتين، ومع قدرة التنظيمات الإجرامية على التكيف المستمر.

 

وهكذا سيظل كل قارب صغير يعبر مياه سبتة محملاً باحتمالين: أن يكون مجرد يخت للصيد… أو نصف طن من الحشيش في طريقه إلى أسواق أوربا.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )