عبد الرفيع حمضي قد يبدو الاهتمام الأمريكي المتجدد بجزيرة غرينلاند، سلوكا سياسيا غريبا أو مبالغا فيه. غير أن قراءة هادئة للمسألة تُظهر أن الأمر لا يتعلق بمزاج رئيس يخلق الزوابع ولا بظرف إعلامي عابر، بل بسيرورة تاريخية طويلة، تعود إلى القرن التاسع عشر، وتجد اليوم شروط تحققها الموضوعية في التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي. غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، بمساحة تفوق مليوني كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلاث مرات مساحة المغرب، اما ساكنتها ففي حدود 58 ألف نسمة، أي أقل من عدد سكان دار الضمانة وزان. هذا التفاوت الكبير بين الامتداد الجغرافي والكتلة السكانية ليس تفصيلا ثانويا، بل عنصرا أساسيا في فهم موقع الجزيرة في الحسابات الجيوسياسية: مجال واسع، كلفة ديموغرافية ضعيفة، وإمكانات استراتيجية مرتفعة. في سنة 1867، اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا. في ذلك الوقت، لم يكن النفط قد اكتشف، ولم تكن الموارد معروفة، ولم تكن الجغرافيا القطبية جزءا من الصراع الدولي. ومع ذلك، رأت واشنطن في تلك الأرض المتجمدة قيمة استراتيجية مستقبلية. لاحقا، ستثبت ألاسكا أنها أحد أكثر القرارات الجيوسياسية ذكاء في التاريخ الأمريكي. في السياق نفسه تقريبا، طرحت فكرة غرينلاند داخل دوائر القرار الأمريكي، لكنها لم تتحقق بسبب موازين القوى آنذاك. هذا المعطى مهم لأنه يؤكد أن غرينلاند لم تكن يوما فكرة طارئة. والجديد ليس الرغبة، بل الظروف الدولية التي أعادت إحياءها. طيلة القرن العشرين، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، استقر النظام الدولي على قواعد واضحة نسبيا: احترام السيادة، رفض التوسع الترابي، وضبط الصراعات داخل أطر قانونية متعددة الأطراف. في هذا السياق، لم يكن ممكنا للولايات المتحدة، او لأي قوة أخرى، أن تفكر علنا في اقتناء أراض جديدة. لذلك اتخذ الاهتمام بغرينلاند شكلا مختلفا: وجود عسكري دائم، قاعدة استراتيجية متقدمة، وتموضع أمني داخل منظومة حلف الشمال الأطلسي. هذا الوجود لم يكن رمزيا، بل جزءا من عقيدة أمنية أمريكية واضحة. فغرينلاند تشكل حلقة مركزية في منظومة الإنذار المبكر، ومراقبة المجال الجوي والبحري في شمال الأطلسي، وهي خاضعة مباشرة لتقديرات المنظومة الأمنية الأمريكية، وعلى رأسها البنتاغون الذي ينظر إلى الجزيرة باعتبارها عنصرا لا غنى عنه في حماية العمق الاستراتيجي الأمريكي. غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل مع بداية القرن الحادي والعشرين. التغير المناخي، الذي ينظر إليه عادة بوصفه ازمة بيئية، تحول إلى عامل جيوسياسي حاسم. ذوبان الجليد في القطب الشمالي فتح نقاشا جديدا حول الممرات البحرية القطبية، التي كانت مجمدة معظم السنة، وأصبحت اليوم صالحة للملاحة لفترات أطول، مع إمكانية ان تصبح دائمة مستقبلا. أهمية هذه الممرات لا تكمن فقط في الملاحة، بل في الاقتصاد العالمي. فهي تختصر آلاف الكيلومترات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، مما يعني خفض كلفة النقل، وتسريع حركة التجارة، مع إعادة توزيع مراكز السيطرة البحرية في عالم تقاس فيه القوة بالتحكم في سلاسل الإمداد، مما يجعل من هذه الممرات رهانا استراتيجيا من الدرجة الأولى. في هذا السياق، لم يعد القطب الشمالي فضاء محايدا. فروسيا عززت حضورها العسكري والبنيوي في المنطقة، والصين، رغم بعدها الجغرافي، أعلنت نفسها قوة قريبة من القطب، واستثمرت في البحث العلمي والبنية التحتية. أمام هذه التحولات، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة جديدة: الاكتفاء بالوجود العسكري في غرينلاند لم يعد كافيا لضمان التفوق الاستراتيجي طويل المدى. لكن العامل الأكثر حساسية يظل اقتصاديا معرفيا. غرينلاند تحتوي على احتياطات معتبرة من المعادن النادرة، 25 من أصل 34 معدنا أرضيا نادرا، وهي مواد أساسية للاقتصاد الرقمي المعاصر: البطاريات، السيارات الكهربائية، الصناعات التكنولوجية المتقدمة، والذكاء الاصطناعي. اليوم، تتحكم الصين في الجزء الاكبر من انتاج هذه المعادن عالميا، ما يمنحها نفوذا يتجاوز التجارة ليصل إلى صميم الأمن القومي للدول الصناعية. هذا الوضع يضع الولايات المتحدة أمام مفارقة واضحة: التفوق التكنولوجي الذي قامت عليه قوتها خلال العقود الماضية أصبح مرتبطا بموارد لا تتحكم فيها. هنا يبرز الدور المتزايد للوبيات الشركات الكبرى، خاصة شركات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة، التي أصبحت، إلى جانب المنظومة الأمنية، فاعلا مركزيا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية. فلم تعد القرارات الاستراتيجية تصاغ فقط في البنتاغون، بل أيضا في مجالس إدارات الشركات العملاقة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن مع مصالح السوق والابتكار. في هذا السياق، فمن الخطأ اختزال المسألة في شخص الرئيس أو في أسلوبه، لأن ترامب لم يبتدع فكرة غرينلاند، بل عبر عنها بشكل فظ فقط في لحظة تشهد تصدعا في قواعد النظام الدولي. وما كان يدار سابقا داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية خرج إلى العلن لأن الظروف لم تعد تسمح بإخفائه. الفرق بين صفقة ألاسكا ومشروع غرينلاند لا يكمن في الرغبة، بل في السياق الدولي. في الماضي، كان التوسع الترابي ممكنا ومقبولا. اليوم، في عالم متوتر ومتعدد الأقطاب، تعاد صياغة الطموحات القديمة بأدوات جديدة: ضغط سياسي، نفوذ اقتصادي، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي. غرينلاند، في النهاية، ليست مسألة جزيرة، بل مؤشر على عودة الجغرافيا إلى قلب السياسة الدولية، وعلى انتقال الصراع من الجنوب الساخن إلى الشمال البارد، ومن السلاح التقليدي إلى الموارد والمعرفة. أمام هذه المعطيات مجتمعة، لا يعود السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل إلى غرينلاند، بل متى وبأي صيغة. فالدخول، بمعناه الجيوسياسي، لا يقاس فقط بالسيادة القانونية أو الإعلان الرسمي، بل بالتحكم الفعلي في القرار، والموارد، ووظائف المجال. هل سيكون ذلك في المدى القريب، خلال هذه السنة، في سياق تسارع التوترات الدولية؟ أم بعد تجديد الكونغرس، حين تتضح موازين القوى الداخلية ويعاد ترتيب الأولويات الاستراتيجية؟ أم في افق 2027، تزامنا مع اللحظة التي أعلنت فيها الصين نيتها الحسم في ملف تايوان، بما قد يفرض على الولايات المتحدة تأمين جبهتها الشمالية قبل الانخراط في مواجهة كبرى في آسيا؟ أم أن الأمر سيرحل إلى نهاية الولاية الرئاسية الحالية، قبيل يناير 2029، حين تتحول القرارات الثقيلة إلى إرث استراتيجي يصعب التراجع عنه؟