نادية حرحش تمر الأيام على غزة وقد توشك بأن تصبح دهورا. كرمح أصاب قلبنا كشعوب اعتادت على مسكنات وجع مرض سقيم، ولم تعد المسكنات تسكت ألألم، ولا معقم يهدئ الدم النازف. فالرمح مستقر إن أخرجناه انتهينا وان ابقيناه انتهينا. يأتي عيد الأضحى ولم يستبدل الله ابن خليله إبراهيم بكبش. يأتي عيد الأضحى وأضحيات البشر من طفولة لن تكبر، وان كبرت فستكون حروقها دائمة في القلوب والنفوس ممن ظن أنه قد نجا. وكأن غزة وضعت قربانا لشرور البشر ولغسل الخطايا. كيف تمر اللحظات والدقائق في غزة؟ بين انتظار موت محدق أزهق الأرواح بلا هوادة من كل صوب، وانتظار وقف لشلال الدم ولو لبرهة؟ كيف تمر الساعات في غزة؟ بين ترحيل ونزوح، بين تأمين وجبة وماء صالح للشرب، بين انتظار دور لاستخدام حمام، بين محاولة الاستقرار مؤقتا، لوهلة، لساعة، لأيام إذا ما كان للرحمة متسع بسماء الحرب الغاشمة. كيف تمر الأيام في غزة؟ أمثقلة بحجم خسارة البشر والحجر؟ الأملاك وتعب العمر ومطاردة الاحلام؟ كيف يعيش طفل يومه في غزة؟ بانتظار عيد بلا فرحة وملابس والعاب؟ بانتظار عطلة صيف بلا نهاية عام دراسي؟ بحلم لا يتسع بحياته وسط كوابيس الصواريخ، والدمار، والنزوح، والفقدان؟ كيف تعيش امرأة تزوجت للتو ولم يعد لعشها أثر؟ شابة حملت بمولود لم يسعه الا بطن امه، فذرفت الفقدان دموعا. وأخرى تخرجت من جامعتها وارادت لأحلامها بالتحليق فهوت. أم، جدة، خالة، عمة، جارة.... لم يعد لها مساحة الا ما يغطيه جسدها من لباس صار مأواها ومأمنها ومكانها. كيف يعيش رجل تزوج للتو ولقد تدمر البيت والعفش ولا تزال الديون تلاحقه؟ شاب صار أبا للتو يحمل ابنه للذي ضاقت الدنيا به جسدا خاويا من الحياة. شاب يسعى من اجل عمل لم يعد، ورزق ممزوج بالعدم. أب، جد، عم، خال، جار... خلا به الزمن وجار عليه الدهر. كيف يعيش اهل غزة ولقد تدمرت أحلام الغد بين أشلاء الأجساد على ما كان ارصفة، وانهارت البيوت وصارت خرابا لا يخرج من انقاضه الا المزيد من الأجساد التي سلبت الأرواح منها وتعفنت او تحللت تحت الركام. كيف يحلم اهل غزة عندما يغلبهم النعاس؟ هل تطاردهم الكوابيس اليومية في سباتهم وتحرمهم كذلك من الاحلام؟ كيف يفكر اهل غزة بالغد؟ بالمستقبل؟ كيف يفكر أطفال غزة بالرجوع الى المدارس؟ كيف يفكر طلاب الثانوية التي سرقت امالهم بمستقبل لن يأتي؟ كيف يستطيع الانسان ان يتحمل كل هذا البؤس والظلم ويتمسك بالحياة؟ هل يعتاد الانسان على الحياة وسط العدم والدمار ويستسلم لما تقذفه السماء من صواريخ وربما نفحة من رحمة؟ اسفة يا اهل غزة، فالعجز كذلك يمكن الاعتياد عليه. نعيش في عجزنا اجسادا بلا حياة. فلقد سلب ملّاك الموت ارواحنا قبل ان يسلب منكم اجسادكم. نحن الأموات الحقيقيون... من يعجز منا عن التعبير، عن الإحساس، عن التفكير، عن التضامن، عن البكاء، عن التفكر، عن الورع، عن الفهم...ويجعل من العواء الفارغ الا من الصخب صوته، والتباكي بدموع تماسيح ودعاء منافقين، ويستمر بحياته التافهة ولقد نسي ان الرمح الذي أصاب غزة لم يزل في قلبه مغروزا، ان تخثرت دماء النزيف، فلقد ملأته الدمامل. نحن شعوب موات... لحكام بلا أرواح. بأجساد تتحرك بثقل الفساد الذي ملأ بطونهم وجيوبهم، ونسعى خلفهم لعل بعض القروش المثقلة في جيوبهم تتساقط في طريقنا، لنعيش عجزنا بتخدير لضمائرنا التائهة الغائبة المستترة المتسترة على الفساد والظلم. نحن أمّة تصف حروف كلمتها من نحن. أمَة تنتظر أوامر سيدها، تتنفس برحمته. لقد سقطت كل الدنيا امام الظلم الواقع على أهل غزة... دنيا دنيّة بمن عليها من حكام ومحكومين... الا بأولئك الذين ربط الله على قلوبهم بالصبر بانتظار فرج... بانتظار عيد يبدو مع قدوم كل عيد...بعيد أكثر. سمعت إلقاء من شخص اسمه عبد الرحيم على (فتاة النرد)، ولعلها تعبّر كثيراّ عن واقع الحال: والكل اجمع انهم قد شاهدوا، راقت على سنن القواعد مجزرة ناي على لحن الجياع وعطشهم، دمع يحاكي الليل، شمس ثائرة وعلى حصى الآهات نام كبيرهم، وصغيرهم ورق أضاع المحبرة وجع يناجي الله رحمة بارئ، اضحى على وجه الشباب معبرة فالكل أمسى على جفاف حالك، قدم على سهر الجبال مهاجرة طوبى من ملك الرغيف بيومها، والرّحط تهرب من عذاب المقبرة وصلوا إلى وادي الحياة وأنهم، كالروح اذ عبرت سراط الآخرة. * كاتبة فلسطينية