المساء اليوم - هيئة التحرير: كرة القدم لا تحب الأمطار، لذلك يتذكر المغاربة زمن "الكراطة" بكثير من الغبن، وأيضا بالكثير من السخرية، لكن تلك الأيام انتهت.. انتهت إلى غير رجعة. في افتتاح كأس أمم إفريقيا كانت السماء تلقي ما في جوفها من ماء، وهو فأل خير كبير، لكن المباراة جرت وكأننا في شهر غشت، ولولا انعكاس المطر الغزير على أضواء الملعب لما عرف الناس أن تلك المباراة جرت تحت أمطار قياسية. ليس هذا فحسب، فخلال حفل الافتتاح، وهو حفل مبهر بكل المقاييس، كانت تلك الأمطار الغزيرة كفيلة بأن تربك أي حفل مهما كانت درجة احترافيته، لكن حفل ملعب الأمير مولاي عبد الله، الذي تناقلته قنوات التلفزيون عبر العالم، كان أول رسالة بأن الكأس ال35 لأمم إفريقيا في المغرب استثنائية بالفعل، استثنائية ومتفردة في كل شيء. في كل ملاعب المملكة التي احتضنت مباريات أمم إفريقيا كان الوضع مشابها، حبور شعبي كبير بأمطار الخير، وبهجة شعبية أكبر بكون المطر والكرة يمكنهما التعايش في كامل المودة.. وكامل الرومانسية.. وعلى وزن الفيلم الرومانسي الشهير "حب تحت المطر"، يمكننا جعل العنوان "كرة تحت المطر". إنها ليست فقط سابقة على المستوى الإفريقي، بل على المستوى العالمي أن تجري كل هذه المباريات الجميلة تحت الأمطار الغزيرة بكامل الأناقة والاحترافية. في كل تفاصيل كأس إفريقيا للأمم هناك ذلك الإصرار المذهل على النجاح، وهناك ذلك العناد العجيب في تتبع أدق التفاصيل، وهناك تلك القدرة على جعل هذه الدورة تاج لكل الدورات، ما سبق منها وما لحق. كأس إفريقيا للأمم ليست مجرد ملاعب رائعة وأجواء احترافية مميزة، بل هي تفاصيل أخرى كثيرة، لكن الشيطان الذي تعود على الاختباء في التفاصيل لم يجد له مكان في "كان المغرب"، فليس معتادا أن ينهال كل هذا المديح على دورة تنظم في إفريقيا، بمقاييس عالمية. الفنادق المضيفة للوفود تنافس نفسها. وحتى أولئك الذين ظلوا طوال الأشهر الماضية يرددون، في عناد غريب، أن المغرب غير جاهز لاحتضان "الكان"، وجدوا أنفسهم في فندق مبهر مزركش بالزليج المغربي الأصيل، على بعد خطوتين من ملعب تحفة، حتى أن اللاعبين يمكنهم التوجه مشيا، من غرفهم بالفندق إلى غرفهم بالملعب، في أمن وأمان لن يجدوه في أي مكان آخر، بما فيه بلدهم. في كل هذا المشهد تفاصيل كثيرة، أبرزها العمل الأمني المذهل، لجعل المشهد مثاليا في بلد يمكنه بالفعل أن يفخر بمؤسسته الأمنية كمؤسسة مواطنة يدرك مسؤولوها معنى التفاني ثم التواري خلف الستار، لكن المقولة الشهيرة للمتصوفة "كثرة الخفاء الظهور"، تنطبق على هذا المجهود الأمني الاستثنائي جدا، الذي يجعله حديث الكل، في المغرب وفي إفريقيا.. وفي كل العالم. لكن زمن الكرة في المغرب لم يستهلك غيره من الأزمنة، ففي طول البلاد وعرضها أجواء ممطرة بشكل غير مسبوق، وثلوج لم نرها منذ زمن طويل، وفي كل هذا تدور "نهائيات" بشكل مختلف، عبر تعبئة تضامنية في كل جهات البلاد، سواء عبر فتح الطرقات المُثْلجة أو عبر تقديم المساعدات للسكان في المناطق النائية، بما فيها استخدام طائرات هيلوكبتر لنقل المرضى والحوامل. خلاصة القول إن نهائيات كأس إفريقيا أو المونديال ليست مجرد ملاعب وكرة وجماهير في المدرجات وانتصارات وهزائم، وكأس يناله محظوظ في النهاية، بل هي فلسفة للتنمية، فلسفة عميقة للبناء ورفع سقف التحديات، لأنه عندما تنتهي منافسات الكرة، سيجد المغاربة أنفسهم قطعوا أشواطا طويلة جدا في مختلف المجالات ورفعوا سقف التحديات عاليا، وسيرون أن إنجازات كثيرة يتطلب إنجازها ثلاثين سنة تم إنجازها في ثلاث سنوات، وفي أحيان كثيرة قد لا ينتبهون لذلك، أو قد يبدو لهم ذلك شيئا عاديا، وهذا شيء عادي في بلد ينافس نفسه.