خلدون الشيخ شكل الاقصاء المبكر للمنتخب الجزائري من كأس الأمم الافريقية وخسارة لقبه بطلاً لنسخة 2019، صدمة كبيرة لأنصاره ومشجعيه، بل لكل متابعي اللعبة، خصوصا انه احتل قاع مجموعته بنقطة واحدة ولم يسجل سوى هدف واحد في المباريات الثلاث المخيبة التي خاضها. من السهل توجيه أسهم الانتقادات الآن، لكن الهدف هو فهم ماذا حصل لمحاربي الصحراء، الذين دخلوا البطولة بسجل قياسي في عدد المباريات بلا هزيمة، وصل 34 مباراة، ورفعها الى 35 بعد تعادل مع سييراليون في مباراته الأولى في المجموعة، قبل الخسارة مرتين على التوالي أمام غينيا الاستوائية وكوت ديفوار، والاكتفاء بتسجيل هدف واحد فقط طيلة المباريات الثلاث، ومع ذلك فان المنتخب الجزائري ليس أول بطل يخفق في الاحتفاظ بلقبه، بل تاريخياً، كان من الصعب جداً على المنتخبات الاحتفاظ بالألقاب الدولية الكبرى، اذ لم ينجح أي فريق في الدفاع عن لقب كأس العالم منذ البرازيل عام 1962، فيما كانت إسبانيا في 2012 الوحيدة التي احتفظت بلقب كأس أمم أوروبا. وفي القارة الإفريقية تبدو الأمور أسوأ أيضاً لأن منتخباً بطلاً وحيداً نجح في تجاوز دور المجموعات منذ توجت مصر باللقب الثالث توالياً عام 2010، وهو المنتخب الكاميروني في النسخة الماضية عام 2019 لكن مشواره انتهى في ثمن النهائي. والأسوأ من ذلك أن مصر فشلت حتى في التأهل الى نهائيات 2012 بعد تتويجها باللقب قبلها بعامين، على غرار نيجيريا التي غابت عن نهائيات 2015 بعدما توجت بالنسخة التي سبقتها. ومع العقدة التاريخية الملازمة للابطال، كان يجب أن يكون هناك سبب آخر من نوعية القوى الطبيعية الخارقة، وبينها حالة الطقس ورداءة البنى التحتية وأرضية الملاعب في الكاميرون، رغم انها تعمم على الجميع، لكن جمال بلماضي وادارة "الخضر" ارتكبوا خطأ فادحاً بتمديد فترة المعسكر الاستعداداي للبطولة في الدوحة، وبالتالي السفر الى دوالا قبل يومين من مباراتهم الافتتاحية أمام سييراليون، وهو ما لم يسعفهم على التأقلم مع الأجواء الكاميرونية الحارة والرطوبة العالية، فظهر اللاعبون مرهقين ومتعبين. لكن أهم سبب في رأيي هو صعوبة تعبئة وتهيئة اللاعبين لخوض ثلاث مناسبات يتطلب فيها بذل جهود كبيرة وابداء شراسة وشهية في خوض المباريات في غضون أسابيع قليلة، فبعد التعملق والتألق في كأس العرب الشهر الماضي، بمجموعة مكونة من نحو نصف النجوم الحاليين المشاركين في افريقيا، والنجاح في التتويج باللقب، بات على بلماضي تعبئة وتهيئة هؤلاء النجوم، ليس فقط للحفاظ على لقبهم أبطالاً للقارة، بل أيضا الحفاظ على السجل القياسي بلا هزيمة، بل أيضاً عكس الهالة العامة التي تكونت فوق جميع الجزائريين، بان فريقهم أصبح عالمياً وبامكانه الحلم في التتويج بلقب كأس العالم، لأن بعد أسابيع من الانتهاء من معارك كأس الأمم سيخوض المنتخب أيضا معتركاً شرساً أمام أحد المنتخبات الافريقية ذهاباً واياباً لتحديد هوية المتأهل الى نهائيات كأس العالم، وهذا أيضا سيتطلب جهداً جباراً، عدا عن تشبع عدد من نجوم الجزائر «الأوروبيين» بمعارك نارية في دورياتهم، والتي جاؤوا من نصف موسمها. في الواقع هذا ما لخصه مدرب الجزائر بلماضي عقب الخسارة أمام كوت ديفوار بقوله: "الارادة الشخصية وإرادة تمثيل الجزائر بأحسن تمثيل كانت موجودة. اليوم لم تكن مسألة إرادة ولكن قدرة، لم نعرف كيف ندخل الى المباراة، شيء خطير حصل اليوم". وهذا الشيء الخطير هو سوء الاعداد النفسي، وهو يختلف عن الاعداد الذهني، فاللاعب ذهنيا يكون مشبعا بالمشاعر الوطنية والرغبة الجامحة لخدمة بلاده، لكنه نفسيا لم يعد يحتمل ضغط المباريات والبطولات الكبيرة المتلاحقة، وبالتالي يصبح عاجزاً عن مجاراة خصومه بدنياً، خصوصا اذا كانوا من أبرز المرشحين للقب. عموماً يبقى المنتخب المغربي صاحب أبرز الحظوظ العربية في الذهاب بعيداً في هذه المسابقة، فهو قدم عروضا جيدة قادته الى تصدر مجموعته، ويلاقي المغمور مالاوي في دور الـ16، لكن مصر التي تصطدم مع كوت ديفوار القوية، ستتمنى استعادة نجمها محمد صلاح لبعض من ألقه الذي شهد عليه ليفربول كثيراً هذا الموسم، في حين تأمل تونس بأن يلطف بها عدوها الكبير، فيروس كورونا، ويريح نجومها، بعدما غيب عددا كبيراً منهم في مبارياته الثلاث السابقة، وسيحرمه من مدربه وعدد منهم في مباراته المقبلة اليوم أمام نيجيريا الوحيدة التي انتصرت في مبارياتها الثلاث. ورغم الانتقادات للبطولة، تنظيمياً وفنيا ولوجستياً، الا ان أمتع لحظاتها تبدأ اليوم من دور الـ16، على أمل أن ترحم القوى الطبيعية والاصطناعية منتخباتنا العربية في ما تبقى لهم من حظوظ في منافسات تبدو أكثر شراسة من ذي قبل.