المساء اليوم - هفتي ضرار في أجواءٍ مغلقة بالعاصمة الإسبانية مدريد، عُقد لقاءٌ قد يشكل نقطة تحول في النزاع المتجمد حول الصحراء المغربية، والذي يسير نحو تثبيت المقترح المغربي للحكم الذاتي برعاية دولية وقيادة أمريكية. وبحسب معلومات وردت من مصادر دبلوماسية قريبة من المفاوضات، فإن الاجتماع التقني، الذي لم يصدر عنه أي بيان رسمي مشترك، وضع الأسس لمسار جديد بتأثير أمريكي حاسم. وتشير النتائج الرئيسية للقاء، الذي حضره ممثلون عن المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وأطراف دولية، إلى إعادة تشكيل تكتيكية لإطار التفاوض. في هذا السياق، تم اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي، المقدمة في وثيقة محدثة من 40 صفحة، كمرجعية تقنية وحيدة للنقاشات المستقبلية، وهي خطوة تمنح مقترح المغرب مكانة مركزية غير مسبوقة على طاولة الحوار. ولضمان استمرارية فورية لهذا العمل التقني، تم الاتفاق على إنشاء لجنة تقنية دائمة، ستعمل تحت إشراف مشترك للولايات المتحدة والأمم المتحدة، وستكون هذه الهيئة مسؤولة عن تفصيل الجوانب العملية للمقترح، متقدمة نحو هدف واضح، عبر جولة تفاوضية جديدة مُحددة مسبقا في شهر مايو المقبل بالعاصمة الأمريكية واشنطن، بهدف التوقيع على "اتفاق إطار سياسي". ولم يكن اختيار العاصمة الأمريكية اعتباطيا، بل يؤكد الدور المحوري الذي قررت واشنطن تحمله في هذا الملف، وهو دور تجلى في سلوك الوفود عند نهاية الاجتماع. فبينما وصفت مصادر حاضرة ارتياحا واضحا في الوفد المغربي، حيث نقلت مغادرته القاعة شعورا بتحقيق الأهداف، فإن الوفد الجزائري، على النقيض، رفض المشاركة في صورة جماعية وغادر المكان منفردا من الباب الخلفي للاجتماع. ويُفسر هذا السلوك كعلامة على عدم الرضا، أو بطلب مهلة "لتهيئة الوضع الداخلي"، مما يشير إلى حاجتهم لإعادة تركيب موقفهم أمام ديناميكية تفاوضية يرونها غير مواتية أو مفاجئة. ومع ذلك، ورغم هذا التقدم الإجرائي والرمزي، تبقى الخلافات المصطلحية الجوهرية قائمة. فلا يزال مفهوم "تقرير المصير" الشائك، حجر الزاوية في الموقفين الجزائري ومعها البوليساريو، عقبة كبرى. بيد أنه، وفي منعطف مهم، تتفق التقارير على الإشارة إلى ضغط دبلوماسي أمريكي ملحوظ يميل بشكل ملموس نحو "المقاربة الواقعية" التي يجسدها الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهذا الموقف من واشنطن ليس حدثا منعزلا، بل يدرج في سياق دبلوماسي أوسع وأحدث، فلقاء مدريد يأتي في أعقاب القرار رقم 2797 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو نص ترعاه الولايات المتحدة، والذي وصف الحكم الذاتي بأنه النتيجة "الأكثر واقعية ومصداقية وقابلية للاستمرار" للحل. وقد غير هذا التطور موازين القوى الدبلوماسية بشكل كبير، معززا الموقف المغربي. أمام هذا المشهد، ينتظر المجتمع الدولي والفاعلون الإقليميون البيان الرسمي المتوقع أن تصدره الولايات المتحدة منفردة في الساعات القادمة. وسيكون هذا التصريح حاسما لفك شفرة المدى الدقيق لالتزام الإدارة الأمريكية واللهجة التي ستفرضها على المرحلة التالية. في الوقت الراهن، تبدو خارطة الطريق المرسومة في مدريد، تقنية في شكلها، ولكنها سياسية في جوهرها، قد أطلقت عدا تنازليا نحو لحظة حاسمة في العاصمة الأمريكية، عبر مسار تكتسب فيه المبادرة المغربية أرضية دبلوماسية لم تكن متاحة من قبل، من أجل وضع حل نهائي لنزاع تصر الجزائر على استمراره منذ أزيد من نصف قرن.