المساء اليوم - تطوان: المستشفى الذي كان أملا لمنطقة الشمال بأسرها، صار في النهاية كابوسا حقيقيا، إلى درجة أن السكان صاروا يتخوفون من تسببه في نشر أوبئة حقيقية وخطيرة. وتجمعت المستنقعات والقاذورات والأزبال والجرذان في أطلال مستشفى بنقريش للأمراض الصدرية بإقليم تطوان، الذي توقف بناؤه لأسباب غامضة، بعد أن تم إنفاق أزيد من 5 ملايير سنتيم في بناء أجزاء مهمة منه. والمثير أن هذا المستشفى، الذي بني في عهد الوجود الإسباني بالمنطقة وتوقف العمل فيه بعد ذلك، بدأت عملية تجديده منذ عهد وزير الصحة الأسبق لحسن الوردي، واستمرت عملية التجديد في عهد الوزير السابق خالد آيت الطالب، ثم توقفت الأشغال في عهده، وها هو وزير آخر للصحة يتولى منصبه بينما لا يزال الرأي العام ينتظر استئناف الأشغال في المستشفى، أو على الأقل إعطاء توضيحات حول الأسباب التي دفعت إلى التخلي عنه نهائيا. ويتساءل السكان بمرارة قائلين "ماذا يحدث عندما نأخذ 6 ملايير سنتيم ونرميها في البحر..!؟ أكيد أن هذا جنون. لكن الأمر يتعلق أكثر من 6 ملايير، ربما بعشرة أو أكثر، والتي لم يتم رميها في البحر بالتحديد، بل تم تبذيرها في عملية عبثية ومجنونة لا تزال إلى اليوم تثير حيرة سكان تطوان، وسكان بلدة بنقريش على الخصوص. وبدأت الحكاية قبل حوالي 10 سنوات حين تم هدم المستشفى القديم للأمراض التنفسية في بلدة بنقريش، بضواحي تطوان على الطريق الوطنية نحو شفشاون والحسيمة. وجاء هذا الهدم بسبب تقادم البناية التي بناها الإسبان زمن الحماية، بحيث كان ذلك المستشفى نموذجا حقيقيا للمستشفيات العصرية والمتطورة، والذي كان يستقبل مرضى الجهاز التنفسي من الشمال، ومن كل المغرب، بل من إسبانيا أيضا. لكن المستشفى الجديد الذي كان سيقام على أنقاض المستشفى القديم لم ير النور حتى الآن، رغم مرور سنوات طويلة على بدء إنجازه، وأسوأ ما في الأمر أنه استنزف الكثير من التجهيزات ممولة من المال العام، ثم توقف العمل فيه فجأة، لأسباب غامضة. اليوم تثير هذه البناية غير المكتملة حيرة حقيقية، فقد استنزفت ما يزيد عن 6 ملايير سنتيم حتى الآن، خصوصا وأن الأمر كان يتعلق ببناء واحد من بين أكثر المستشفيات تطورا وحداثة في المغرب كله، لكنه اليوم مجرد أطلال. جولة سريعة بين ردهات هذا المستشفى غير المكتمل تصيب بالدوار. كان من الممكن أن يكون مستشفى بمعايير أوربية، والمنطقة التي بني فيها مثالية لمرضى الأمراض الصدرية والتنفسية، لكنه تحول في النهاية إلى ما يشبه مغارة علي بابا.. كل غرفه تحولت إلى ما يشبه الكهوف، وتجهيزاته الثمينة تقرضها الفئران. إنه المال العام الذي لا أحد يأبه به. غير أن أسوأ ما في الأمر هو أن هذا المستشفى الذي كان يفترض أن يعالج المصابين بأمراض صدرية، صار هو الذي يتسبب بهذه الأمراض. ويتحدث السكان عن روائح مريعة جدا تنبعث من داخل أنقاض المستشفى، كما أن بلدة بنقريش صارت مرتعا للجرذان التي تعشش داخل بناية المستشفى، وتجمعت المياه الآسنة في ردهاته مما جعل ظهور أوبئة مسألة مسألة محتملة، وهو ما ينذر بكارثة صحية حقيقية، ليس على بلدة بنقريش فقط، بل على مدينة تطوان المجاورة، وقد تمتد تأثيراته الخطيرة إلى مناطق أبعد. كما أن المستشفى أصبح يطرح إشكالا أمنيا حقيقيا، وصار ملاذا للمشبوهين والمعتوهين، ويتحدث السكان أيضا عن مهاجرين سربين. وتبدو المشكلة أكثر تعقيدا عند معرفة أن الحكومة الإسبانية ساهمت بنصيب وافر من ميزانية تجديد هذا المستشفى، وعند مدخل البناية يظهر اسم la junta de Andalucia كمساهم رئيسي في البناء، لكن حتى الإسبان الذين ساهموا بنسبة كبيرة في الميزانية لا يملكون جوابا حول توقف البناء. الناس في المنطقة يتداولون حكايات غريبة، يقولون إن لوبي الفساد هو من أوقف بناء المستشفى. لكن من هو لوبي الفساد..!؟ إنهم يقصدون أصحاب المقالع في المنطقة التي حولت حياة السكان إلى جحيم. مقالع متوحشة تهلك الحرث والنسل وتمارس وحشيتها أمام عيون الجميع. لقد دمرت الطبيعة والمياه الجوفية وأصابت الكثير من السكان بأمراض تنفسية مزمنة. ويبدو واضحا لماذا لا يحبذ أصحاب المقالع فكرة إنشاء مستشفى كبير للأمراض الصدرية والتنفسية في منطقة “كنزهم”، لأنه في حال افتتاح المستشفى فإنهم سيكونون ملزمين بوقف تدمير الطبيعة والبشر في المنطقة، لذلك، حسب السكان، فإن أصحاب المقالع يملكون نفوذا كبيرا في المنطقة، ويملكون المال، الكثير من المال، لذلك يستطيعون تحدي الدولة نفسها وإيقاف بناء مستشفى استهلك حتى الآن أزيد من 6 ملايير سنتيم. هناك من يقول أيضا إن لوبي المستشفيات الخاصة هو من ضغط لوقف بناء مستشفى بنقريش للأمراض الصدرية. إنها نظرية مؤامرة صعبة على الهضم، لكن أصحابها يضيفون بأن مستشفى عمومي وحديث وبمواصفات عالمية، وأكثر من هذا مجاني أو شبه مجاني، يثير بالتأكيد مخاوف وغضب لوبيات المتاجرة بصحة المغاربة. هذه نظرية تبدو منطقية أيضا. وسبق لبرلمانيين من المنطقة أن قدما سؤالين شفويين لوزير الصحة السابق، خالد أيت الطالب، حول موضوع المستشفى. الأول عن حزب الاتحاد الدستوري، والثاني عن حزب الحركة الشعبية، لكن لا شيء تغير. اليوم، وفي عهد ثالث وزير للصحة، أمين تهراوي، لا تزال أطلال مستشفى بنقريش تثير الكثير من الحيرة، بل إنه لغز.. أو أريد له أن يكون لغزا، وهو أيضا واحد من أبشع مظاهر تبذير المال العام في زمن ما يسمى الشفافية والمحاسبة وتقارير المجلس الأعلى للحسابات وغير ذلك. السكان لا يطلبون حاليا سوى أحد أمرين، إما إكمال بناء المستشفى ووقف الكارثة البيئية والصحية التي يتسبب فيها حاليا، أو تسوية الأطفال بالأرض والإعلان رسميا عن وفاة مستشفى بنقريش.. وفي حالة عدم حدوث أي من هذين الأمرين.. فانتظروا الكارثة..!