من صقلية إلى بارباتي: هل نجحت المافيا الإسبانية حيث فشل الطليان..!

المساء اليوم – هفتي ضرار

 

لو أن طيف العراب فيتو كورليوني يطل اليوم على ميناء بارباتي، لابتسم ابتسامة عريضة ممزوجة بالازدراء. فهنا، على السواحل الجنوبية لإسبانيا، تقدم له ولتاريخ «كوزا نوسترا» الصقلية العتيقة إجابة عملية عن سؤال لطالما حيره، كيف يمكن للجريمة المنظمة أن تنتصر على الدولة الحديثة من دون حرب شوارع كبرى.

 

الجواب الإسباني، الساخر في بساطته، يكمن في فن تحويل الدولة إلى ديكور، بينما تدار الأعمال في وضح النهار. ففي اللحظة نفسها التي كان فيها العملاق الفولاذي “دوق أومادا”، ذلك الرمز المكلف بحماية السيادة البحرية الإسبانية يستعرض عضلاته في المياه الإقليمية لسبتة المحتلة، كان عشرون زورقا من طراز «فانتوم»، أحدث وأسرع من أي شيء تمتلكه الدولة، ترسو بكل اطمئنان في قلب ميناء بارباتي.

IMG 20260126 WA0003

ليست هذه مفارقة عابرة، بل معادلة الفساد الناضج، التباهي بالسيادة حيث لا سند قانونيا أو أخلاقيا لها، والتنازل عنها حيث يكون الدفاع عنها أولى وأوجب.

 

إن تفكيك ما يسمى بالمافيا الإسبانية، أو تلك الشبكات العابرة للحدود التي تمسك بخناق سواحل الأندلس، لا يشبه فك شفرة «كوزا نوسترا» الكلاسيكية. فالتجربة الإيطالية، عبر قرن ونصف، قامت على بناء دولة موازية داخل الدولة، بهيكل هرمي صارم، وقانون صمت، واختراق عميق للمؤسسات السياسية والمالية. لقد خاضت حروبا دموية، ثم اضطرت، تحت ضغط الدولة والمجتمع، إلى التخفي داخل الاقتصاد المشروع.

IMG 20260126 WA0001

أما النموذج الإسباني الظاهر في بارباتي، فلم يحتج إلى هذا العناء كله. لماذا تبني دولة موازية، إذا كان بإمكانك استئجار مفاتيح الدولة القائمة..!؟ لقد فهمت هذه الشبكات أن البيروقراطية الحديثة، بانشغالاتها وفجواتها وتعدد مستوياتها، تقدم خدمة لا تقدر بثمن اللامبالاة المؤسسة. وهكذا، يصبح وجود أسطول تهريب كامل في ميناء خاضع للسيادة ليس خرقا استثنائيا، بل بيانا فاضحا على أن الخطر لا يأتي من الخارج، بل من قلب آلة الدولة نفسها، من فساد لا يحتاج إلى تهديد أو عنف، بل إلى ترتيب بسيط للمصالح.

 

من هنا، لا يبدو استعراض «دوق أومادا» في سبتة المحتلة مجرد مناورة عسكرية، بل جزءا عضويا من الآلية نفسها. إنه إلهاء ضخم ومكلف. فبينما تتجه الكاميرات والخطب الرنانة نحو (المياه التي تدار كأمر واقع خارج أي شرعية قانونية). حيث يمكن تحويل أي إخفاق إلى خطاب وطني عن “الدفاع عن الحوزة الترابية”، تترك الحظيرة الخلفية مفتوحة على مصراعيها. هنا تكتمل السخرية التاريخية. إيطاليا، التي لطالما نظر إليها أوروبيا بوصفها دولة مثقلة بعار المافيا، اضطرت على الأقل إلى خوض معركة وجودية مع شيطان تعرفه. أما إسبانيا في هذا المشهد، فتواجه شبحا هجينا يستخدم تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، لكنه يعمل بآليات فساد تعود إلى منطق الإقطاع، إقطاع جديد تتنازل فيه الدولة عن سيادتها المحلية لقوى الظل، بينما تتشبث بعناد باحتلال أراضي الآخرين.

 

في هذا السياق، لا يعود «دوق أومادا» حلا أمنيا، بل يصبح جزءا من عرض تلفزيوني طويل، يبث لإخفاء حقيقة أبسط وأكثر فداحة.القناة قد بيعت، والميناء ترك لإدارة غير رسمية.

IMG 20260126 WA0002

السؤال الجوهري، إذن، لا يتعلق بكيفية إيقاف زوارق التهريب، بل بمن يستفيد من استمرارها. فتاريخ “كوزا نوستر” يؤكد أن الجريمة المنظمة تصبح خطرا وجوديا عندما تندمج مع الاقتصاد الوطني وتياراته المالية. أما مشهد بارباتي فيشير إلى شيء ربما أكثر خطورة، وإن بدا أقل تنظيما. تواطؤ صامت يقبل بوجود مناطق رمادية تدار خارج القانون، مقابل هدوء اجتماعي هش، أو تدفق أموال تنعش اقتصادا محليا بائسا، أو ربما كصمام أمان لتنفيس الغضب الشعبي بعيداوعن المركز.

 

في هذه المعادلة، تتحول الفرقاطة العملاقة إلى أداة دعائية تضفي مسحة هيبة على نظام فشل في أبسط وظائفه.. السيطرة على موانئه.

 

إنها مأساة سياسية مكتملة العناصر، أمة تستعرض قدرتها على فرض الأمر الواقع في الخارج، بينما تعجز عن فرض القانون على بعد أمتار من شاطئها. وهكذا، تنتقل المافيا من كونها عصابة خارجة على النظام، إلى شريك خفي في إدارة الفشل، في صفقة تخسر فيها الدولة الإسبانية سيادتها الحقيقية وكرامتها، بينما تربح فيها قوى غير مرئية نفوذها وأموالها، في لعبة ظلها أطول من ظل أي فرقاطة تضاهي ملعب كرة قدم.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )