المساء اليوم - هيئة التحرير: لم تكن الفيضانات التي عرفتها وتعرفها عدد من مناطق المملكة حدثا استثنائيا في نسبة الأمطار والثلوج والأضرار فقط، بل كانت حدثا متميزا في جوانب أخرى كثيرة. منذ اللحظات الأولى برز الدور المواطناتي الكبير لأجهزة الجيش والأمن والقوات المساعدة والوقاية المدنية، ولكل السلطات التي تجندت، على مدى 24 ساعة يوميا، لخدمة المواطنين المتضررين، بدءا بالإجلاء والنقل والخيام وتوفير الأكل والأغطية وكل المستلزمات الضرورية في مثل هذه الحالات. شاهدنا المخابز المتنقلة التي وفرتها مصالح الأمن للمتضررين، وعاينّا كيف تحول كل فرد في هذه المصالح إلى بطل، وهذا ما أثلج صدور المغاربة من وجدة إلى الكويرة. والحقيقة أن هذا السلوك ليس مستغربا في مؤسسات مواطنة، هدفها الأول والأخيرة خدمة المغاربة في السراء والضراء، في الشدة كما في الرخاء، وهو ما عاينّاه من قبل في شدائد أخرى مثل زلزال الحوز أو جائزة كورونا. لكن وسط كل هذا البياض المبهر والفخر العارم بمؤسسات مواطنة، هناك نقاط سوداء لجهات لم نر منها الكثير في الماضي، والحقيقة أننا لا لا نتوقع منها شيئا لا في الحاضر ولا في المستقبل. على رأس هذه الجهات من يسمون أنفسهم منعشون عقاريون، والذين يحملون أيضا لقبا فخريا هو "وحوش العقار". هؤلاء حظوا، على مدى عشرات السنين ولا يزالون، بتسهيلات مدهشة، ومخجلة أيضا، من جانب الدولة، ونالوا أراضي يساوي سعرها ذهبا، وجنوا من الملايير ما لا يجنيه المغامرون في الخيال ولا في الواقع. المنعشون العقاريون يتوفرون اليوم على عشرات الآلاف من الشقق الفارغة، خصوصا في مدن الشمال، وكان من الممكن أن تحل هذه الشقق معضلة النازحين من المناطق المتضررة، عبر فتح أبوابها مؤقتا للمتضررين، ولن يطول الأمر لأكثر من شهر أو شهرين، في أقصى الحالات. لكن، إلى حدود الساعة، نسمع فقط عن مبادرات فردية نبيلة لمواطنين مغاربة بسطاء تقاسموا مساكنهم مع المتضررين، أو وفروا لهم مساكن ثانوية، بل تكفلوا بطعامهم ومصاريفهم اليومية. لم نسمع أي "منعش عقاري" ينعش آمالنا بتخصيص مساكن مؤقتة للمتضررين، ولا أي ملياردير خصص تبرعات للأسر المعوزة المتضررة، ولا عن مؤسسات مالية قررت أن تخصص جزءا بسيطا من أرباحها الهائلة للتخفيف من معاناة المنكوبين. مقابل المواطنة العميقة للمؤسسات الأمنية والعسكرية، لا نجد أي أثر لأصحاب الملايير، والذين، ربما، ينتظرون مرور الأيام لكي يعودوا مجددا بوجوههم المشمعة وربطات عنقهم الفاقعة لكي يطالبوا الدولة بمزيد من الامتيازات وخفض جديد للضرائب وأراضي جديدة بسعر التراب وتسويات جديدة لخروقاتهم التي لا نهاية لها، بما فيها البناء على حواف الأودية ومجاري مياه الأمطار. عموما، المغاربة يدركون جيدا من هي مؤسساتهم المواطنة الحقيقية التي تتقاسم معهم الحلو والمر، ومن هم أغنياء الحروب الذين لا يهمهم أن يروا المئات من مواطنيهم يكدسون أمتعتهم على العربات ويجولون المدن تحت المطر والرعد بحثا عن مسكن مؤقت، فلا تهتز فيهم شعرة مواطنة. هناك من يخدم الوطن.. وهناك من يحلبه..!