المساء اليوم - هيئة التحرير: عندما استضاف المغرب كأس إفريقيا للأمم لم يكن من المضمون أبدا أن يفوز منتخبنا بالكأس. صحيح أننا منّينا النفس كثيرا بذلك، لكن ذلك لم يحدث، لا نقول إن ذلك شيء عادي، لأنه ترك غصة لدى الملايين، لكن ما حدث قد حدث، وانتهى الأمر. ما يهم اليوم هو أن ندفن غصة "الأحد الأسود" لأن حوله الكثير من البياض، بياض الإنجاز الباهر للمغرب في تنظيم نهائيات تاريخية بكل المقاييس، وإنشاء ملاعب تضاهي أحسن ملاعب العالم، بل تتفوق عليها، ومنتخب مكافح وعنيد، رغم كل ما يحدث من هفوات أو أخطاء. في النهائيات عاينّأ ترجمة حرفية وفعلية لبلد الأمن والأمان. مؤسسة أمنية احترافية بكل المقاييس ومواطنة إلى أقصى درجة. مؤسسة بمثابة حزام الأمان في النهائيات وفي غير النهائيات. مع الملاعب جهز المغرب بنية تحتية ملفتة، لن تأخذها المنتخبات المشاركة معها إلى بلادها، بل ستبقى ملكا خاصا لكل المغاربة، وهذا في حد ذاته ربح كبير. لن ننغمس في نظريات المؤامرة ولا في تفسير ما لا يمكن تفسيره، لأننا لو عدنا إلى كثير من المباريات النهائية في العالم فسنجدها تحفل بكثير من الإثارة، بل الغرائب، لذلك ينبغي أن ننسى غصة فقدان الكأس، ونفخر بالإنجاز في حد ذاته. الكأس الحقيقي الذي ربحه المغرب هو أنه رفع سقف التحديات عاليا، بل ورط كل من يفكر في تنظيم النهائيات الإفريقية مستقبلا، وإذا لم يكن هذا إنجازا، فما هو الإنجاز الحقيقي..!؟ نفهم كيف عانى المغرب، منذ بداية النهائيات من حملات مغرضة، بل مدفوعة الأجر، من كون المغرب سيفوز بكأس إفريقيا مهما كان الثمن، وتعالت أصوات الغربان محذرة من "المؤامرات والكولسة"، وفي النهاية كان ما كان في هذا "الكان". فقد فاز المغرب بما هو أكثر من الكأس وترك عاهات مستديمة في قلوب حُسّاده. واهم من يعتقد أن المغرب أنفق الكثير من الأموال من أجل لعبة كرة القدم، بل أنفقها من أجل نفسه، من أجل تطوير بنيته التحتية ومرافقه، والملاعب مجرد جزء منها. كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تجري في تسعين دقيقة وينتهي الأمر، بل هي رافد قوي من روافد التقدم والتنمية. كما أن الرياضة بشكل عام، لم تعد مجالا ل"خسران لفلوس" كما يتوهم كثيرون، بل العكس تماما، ومن يطلع على الأرقام سيدرك أن عائدات "الكان" كانت قياسية، وهذا من وجهة النظر الاقتصادية استثمار لا غبار عليه. بعد أشهر سيخوض المغرب منافسات المونديال، في أجواء مختلفة كثيرا، والمنتخب المغربي لا يزال مؤهلا لصنع ملحمة أخرى، تعادل أو تفوق ملحمة مونديال قطر. بعد نصف قرن لم نفز فيه بكأس إفريقيا للأمم، ها نحن نفوز فعلا بما هو أكبر من الكأس، لقد ربحنا أنفسنا وأبهرنا العالم بالمستوى العالي من التجهيزات واحترافية التنظيم، وهو ما سيترك غصة مرة في حلق الكثيرين ممن لاينظرون إلى ما هو أبعد من أنوفهم ويتنفسون حقدا عوض الهواء. بعد المونديال سنكون مع موعد تنموي أكبر بكثير، حيث تفصلنا أربع سنوات عن مونديال 2030، وخلال هذه المدة سنربح الكثير. سنربح إنجازات لا يمكن تحقيقها في عقود. فالمونديال ليس مجرد مباريات وانتصارات وهزائم، إنه بالنسبة لنا ربح صاف للتنمية والتقدم. من حق الجميع أن ينبه إلى الأخطاء والهفوات، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي جدا، لكن لا ينبغي أن نسقط في فخ يحاول الكثيرون نصبه لنا، وهو أن ندق طبول الحرب ونعادي شعوبا وبلدانا فقط لأننا واجهنا منتخباتها لتسعين دقيقة أو أكثر ومعها حفنة من الأغبياء، ففي النهاية تبقى الروابط العميقة التي لن يعكر صفوها شرذمة من المتنطعين وضعاف العقول. لننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، كأس التنمية والتطور وربح تجربة مبهرة في تنظيم الملتقيات الدولية الكبرى. الكأس التي ربحناها في نهائيات كأس إفريقيا أثمن من أي كأس أخرى. نعم لم نرفع كأس الأمم، لكننا رفعنا عاليا رأسنا بين الأمم، هذه هي الحقيقة التي لا يجب أن نغفلها أبدا.