بقلم: نبيل الحمري
غالبا ما يثار موضوع استقلال القضاء عندما تعرض على المحاكم بعض القضايا التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام، وليس هناك أكثر إشاعة للاهتمام من تلك التي ترتبط بشكل أو بآخر بموضوع “حرية الصحافة”، مع أن مبدأ الاستقلال والتجرد والحياد يجب أن يكون قاعدة تسري على كل الملفات، سواء تلك التي التفت إليها الإعلام، أم تلك تروج يوميا وبالآلاف ويطوي مقتضياتها النسيان.
إن وظيفة القاضي هي التطبيق السليم للقانون فحسب، أي النطق بالحق في المنازعات، بغض النظر عن الأطراف والمواقع والصفات؛ لكن هذه المهمة تتعرض في الغالب للتأثير، ومبدأ الاستقلال يشوبه الاهتزاز، ليس لوهن في شخصية القاضي أو قلة ورعه أو غياب زهده أو انعدام بطولته في زمن سيادة ضعف الإغراءات، بل لأن بعض الملفات برمتها تخرج عن دائرة الاقتناع الوجداني للقاضي إلى ساحة الاقتناع الجماعي للجمهور، بسبب التناول الإعلامي لوقائعها، لدرجة يكثر الحديث عن مخرجاتها على كونه محددا لحقيقة فصل السلطات، ومعيارا لمدى استقلال القضاء.
كيفما كان الحال، فمثل هذه النوازل وما تشهده من خلافات من شأنه أن يؤثر على القضاء، ويجعله في وضع صعب، طالما أن الكل يريد حسم المعركة إعلاميا قبل معرفة منطوق القرار القضائي.
الشاهد فيما نقول، ما نراه بمناسبة نوازل صحفيين تم بسط كل تفاصيلها الدقيقة على صفحات المواقع الإلكترونية، ومنصات اليوتوب وصفحات التواصل الاجتماعي على نحو يفيد أنها محاكمات يخشى أن تكون خلاصاتها استجابة لقوى الضغط القائمة، سواء من هذه الجهة أو تلك، والتي سترخي بظلالها على مقتضيات المحاكمة القضائية العادلة لا محالة.
توجب هذه التوطئة التذكير، بأن القاضي وهو ينظر في بعض القضايا المشتعلة إعلاميا، أن يحصن نفسه ضد ما ينشر على القضية المطالب بالبت فيها، إذ لا رأي له ولا موقف ولا اتجاه، إلا بما يخطه في صلب القرار القضائي من حيثيات ووسائل، إذ لا أحد يطلب من القاضي التفسير بل فقط التسبيب والتعليل.
قريب من هذا المعنى، ما يعرف بمبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي، وهو ليس بقاعدة غير منضبطة تخضع للأهواء والنزوات والحكم تبعا لذلك على غير هدى، بل أن يحصل في ذهن القاضي عناصر تشكل الجريمة، ويقين تحقق وقائعها، وكأنه شاهد عليها، ووقعت أمام ناظريه.
إن الاقتناع الوجداني للقاضي مرحلة هي للأخيرة، وطور هو الخ
اتمة، في مسلسل غربلة وسائل الإثبات.. إذ لا معنى للاقتناع الوجداني بثبوت جريمة تحوم حولها الشكوك، أو ظلت حبيسة تصريحات المشتكي، دونما دليل يعززها أو قرينة تكشف بعض تفاصيلها، لأنه سيخرق حينئذ مبدأ البراءة الذي هو الأصل، الذي يتفرع عنه مبدأ آخر لا يقل أهمية: “أن الشك يفسر لصالح المتهم”، فالحكم بالبراءة لا يقتضي الاقتناع اليقيني بل يكفي تطرق الشك إلى الأدلة، على خلاف الإدانة التي تستلزم اليقين المبني على العقل والمنطق..أي أن يحصل الاقتناع للقاضي والإقناع للناس.
الوظيفة أعلاه بقدر ما تستلزم قوة شخصية القاضي وضميره، وألا ينظر إلى الأطراف أيا كانت مواقعهم، وأن يتوخى العدالة مادام أنه مستقل، والمساس باستقلاله جريمة، بقدر ما يستلزم نيابة عامة تساعد القاضي وتيسر له سبل وصوله إلى الحقيقة، فهي أولا “خصم شريف” لا يسعى إلى التنكيل بالمتهم، بل أن تلتمس تطبيق القانون وأن تسعى إليه أينما وجد وفي صف أي كان، وهي ثانيا تنوب عن المجتمع، ومقتضى النيابة أن تبحث هي الأخرى عن الدليل سواء أكان للإدانة أو تدعيما لأصل البراءة، لا أن يتم الإضرار بمصالح من منحك التمثيل، وأي ضرر للمجتمع أكثر من إدانة متهم بريء..

