المساء اليوم:
الفنانة سلوى الشودري، من بين قليلات التزمن بفن راق وهادف، وأيضا من بين قليلات قاومن إغراء الشهرة والأضواء.
قدمت سلوى الشودري أعمالا فنية كثيرة ومتميزة، وغنت في مسارح شهيرة، بينها مسرح الأوبرا المصري، ونحت الكثير من أعمالها نحو العمل الإنساني، خصوصا العمل الخيري المرتبط بالأطفال، وهو ما يتسق مع عملها كناشطة خيرية تقضي أغلب وقتها في تقديم الأعمال الإنسانية.
في كل هذا قاومت الفنانة التطوانية مرضا عضالا لم يوقف مسيرتها الفنية، فبعد فترة تأمل قصيرة، عادت مجددا إلى الساحة الفنية بأعمال مستجدة.
في هذا الحوار مع “المساء اليوم”، تقدم الفنانة سلوى الشودري سردا مختصرا لمسيرتها الفنية وتصورها لتوجهها الفني وإصرارها على الالتزام بقضايا إنسانية كبرى في أعمالها الفنية.
س: بعد غياب مؤقت عن الساحة الفنية عدت أخيرا بنفس متجدد…؟ هل للغياب أسباب..؟
ج: نعم أمضيت ثلاث سنوات في العلاج بعد إصابتي بسرطان الثدي منذ سنة 2016، لكني استأنفت عملي الفني، الحمد لله والشكر لله، منذ حوالي سنتين بإصدار أعمال جديدة في مواضيع مختلفة من تلحيني وأدائي، وكانت أولها “سني يالله”، وهي من كلمات الشاعرة العزيزة الشمام، بعدها أغنية “صرخة” من كلمات الشاعرة دنيا الشدادي، والتي أتكلم فيها عن معاناة المرأة وما تواجهه في حياتها من صعوبات.
بالنسبة لي، كانت قساوة المرض مع الأمل وتحدي الصعاب والنجاح، ثم غنيت للصفوف الأمامية التي وقفت بالمرصاد في وجه الكوفيد 19 في أغنية “إن شاء الله لاباس”، وهي من كلمات الشاعر المصطفى الغباري، ثم أغنية “يما العزم ما غاب” وهي للشاعر الفلسطيني سامي مهنا، بشراكة مع مؤسسة الأرض برام الله بفلسطين وموسيقيين مغاربة كإلياس الحسيني ورشدي المفرج وكريم السلاوي. ثم أغنية “إلا رسول الله”، وهي من كلمات الشاعر المصطفى الغباري أيضا، وكانت ردا على الرسوم الكاريكاتورية التي أصرت فرنسا على إنزالها سخرية بنبينا الكريم عليه أفضل الصلوات، ثم أغنية “سابق إلى الخيرات”، وهي بخصوص الأزمة التي حلت بمجتمعنا أثناء فترة الحجر الصحي ومعاناة كثير من الناس، وخاصة الطبقة الشغيلة في الفنادق والمطاعم والمقاهي وكل ما يتعلق بالسياحة، وهي أغنية أدعو فيها الناس للصدقة وللخير ولمساعدة بعضهم البعض.
ثم الأغنية الأخيرة بعنوان “قدومك فرحة”، من كلمات الشاعر المصري د.هداية مدني، وهي بمناسبة حلول شهر رمضان الفضيل.توزيع أعمالي هذه من طرف الموسيقي الأستاذ الفنان محمد بنعبدلاوي وكريم السلاوي، والآن أنا بصدد إصدار ألبوم فني جديد بدعم وزارة الثقافة بعنوان “الحب سبيلنا”..
طوال مسيرتك الفنية فضلت البقاء في مدينتك تطوان ولم تغرك أضواء المركز.. هل تعتقدين أنك فعلت الصواب..؟
ربما أنني في وقت من الأوقات وفي بداياتي، فكرت في الذهاب إلى القاهرة. وفعلا سافرت إليها والتقيت بالعديد من مشاهير الملحنين مثل حلمي بكر الشرنوبي ود. جمال سلامة واقترحوا علي الاقامة هناك، وبعد تفكير عميق اخترت أن أظل في مدينتي مع أسرتي الصغيرة والكبيرة ووطني، وفضلت أن أرسم طريقي التي أراها توافق مبادئي وأفكاري وقناعاتي، لأنه لم تكن تهمني الشهرة والمال بقدر ما كنت حريصة على أن أؤسس لمشروع ثقافي اجتماعي ينهض بمجتمعنا قدر استطاعتي وفي مجال تخصصي، فقمت بتنظيم العديد من الحفلات والملتقيات وانخرطت في العديد من الجمعيات ووظفت فني في تنمية مجتمعي باختيارات فنية تلامس قضايا مجتمعاتنا وأمتنا.
الأنماط الفنية التي تؤدينها نادرة رغم جودتها.. وربما جمهورها قليل نسبيا.. فأنت تغنين عن القيم الإنسانية الكبرى.. ما أسباب هذا الاختيار الفني؟
الاختيار نابع من اصراري على إصلاح مجتمعي وأبناء وطني، فنحن محتاجون إلى بناء الإنسان أولا قبل أن نبني المؤسسات، والشعوب المتحضرة الراقية تبنى على القيم والمبادئ الإنسانية الكبرى، وسأحاول انطلاقا مما أملكه بكل ما أوتيت من قوة أن أغرس هذه المبادئ في الصغار والكبار مهما كان الثمن.
أن تمزجي بين الغناء والتلحين والبحث الموسيقي وتدريس الموسيقى.. ألا يرهقك كل هذا..؟
إنها متعتي في الحياة فبدون كل هذه الأعمال كانت ستكون حياتي ناقصة وفارغة، لذلك أشعر أنني أستمد قوتي منها.
غنيت في دار الأوبرا المصرية أغاني توصف بأنها صعبة.. ومع ذلك بقيت زاهدة في الشهرة.. لم كل هذا العناد؟
إنه ليس بالعناد إنه فقط اختيار، الغناء والموسيقى بالنسبة لي ليس هو أداء الأغاني الصعبة، والوقوف على مسارح كبيرة وتصفيقات المعجبين فقط، الغناء والموسيقى بالنسبة لي هو وسيلة لتربية الحس الإنساني وغرس كل ما هو جميل وراق ورفيع، ومحاربة كل ما هو قبيح ومدمر ومائع.
ما الذي يجذبك أكثر نحو المقطوعات الصوفية؟
التقرب إلى الله عز وجل، وصفاء الروح، والارتقاء بالنفس إلى المراتب العليا.
نظرا لأصولك الأندلسية، كيف أثر التراث الفني الأندلسي على مسارك الغنائي؟
أصولي الأندلسية دفعتني إلى النهل من الغناء الأندلسي وأنا لازلت في المهد، فتشبعت بهذه الألحان، فكانت معظم ألحاني وترنيماتي غارقة فيها..
في مسارك الفني اهتمام ملحوظ بالأغاني المخصصة للطفولة.. ما سر هذا الاهتمام؟
الطفل هو رجل الغد، وهنا أعود إلى قولة يجب بناء الإنسان من الطفولة وغرس فيها القيم والمبادئ الإنسانية الرفيعة، لذلك كان اهتمامي بالطفولة كبير وإصداري لثلاث ألبومات للطفولة.
لو يعود بك الزمن إلى البداية.. هل ستصرين على كل اختياراتك الفنية؟
أكيد جدا، لأن ما أنا عليه الآن هو اختيار وتحدي ونحت في الصخر وصمود رغم كل الاغراءات والمتاعب والصعوبات التي واجهتني. والحمد لله محبة الناس وتقديرهم لأعمالي وتأثيرها عليهم إيجابيا هي كل مبتغاي.

