المساء اليوم – متابعات:
يبدو أن فنجان قهوة في أحد مقاهي سبتة المحتلة لم يعد، في نظر بعض المنصات الإعلامية الإسبانية، مجرد لحظة عابرة في فضاء عمومي، بل تحول إلى مادة لبناء رواية أمنية واستخباراتية كاملة، بعد ظهور المؤثرة المغربية وفاء في مقهى «إل بوينتي» (El Puente) رفقة أشخاص آخرين، والذي جرى تقديمه عبر منصات رقمية على أنه لقاء مشبوه مع «عناصر أمنية مغربية»، في محاولة لإضفاء طابع أمني على مشهد مدني جرى توثيقه في مكان مفتوح.
ووفق مراقبين فإن المشكلة لا تكمن في الصورة نفسها، وإنما في الطريقة التي جرى بها تفسيرها. فوجود مغاربة داخل مقهى في سبتة المحتلة، أو اجتماع أشخاص معروفين أمام عدسات الهواتف وفي فضاء عمومي، لا يشكل في حد ذاته دليلا على نشاط استخباراتي يتبعه تحويل صورة علنية إلى قرينة على «اختراق أمني»، وهو ما يحتاج إلى أكثر بكثير من التأويلات والانطباعات، خصوصا عندما تغيب الأدلة المادية التي تثبت وجود مهمة سرية أو اتصال استخباراتي.
وهنا تبرز الوكالة الوطنية للاستخبارات الإسبانية CNI، ليس باعتبارها مسؤولة بالضرورة عن هذه المنشورات، وإنما باعتبارها المؤسسة التي يفترض أن تمتلك المعايير المهنية للتمييز بين النشاط الاستخباراتي الحقيقي وبين مجرد التواصل المدني العلني. فإذا كانت صورة في مقهى تكفي في بعض الخطابات الإعلامية لبناء سيناريو عن «اختراق مغربي»، فإن السؤال يصبح حول مستوى القراءة الأمنية التي تحكم مثل هذه الروايات، ومدى قدرتها على الفصل بين الوقائع والاستنتاجات.
فالعمل الاستخباراتي، في مفهومه المهني، لا يقوم على تحويل كل صورة متداولة إلى ملف أمني، وإنما على جمع المعلومات والتحقق منها وربطها بمؤشرات متعددة قبل الوصول إلى الاستنتاجات. أما القفز من صورة علنية إلى اتهام أشخاص بالارتباط بأجهزة أمنية أو استخباراتية، من دون تقديم أدلة قابلة للتحقق، فيبقى أقرب إلى الرواية الإعلامية منه إلى التقييم الاستخباراتي.
وتزداد المفارقة وضوحا مع ظهور وفاء في مشهد علني رفقة أشخاص آخرين، من بينهم اليوتيوبر الفرنسي إسماعيل أوسليماني المعروف باسم «Le Raptor». فهذا الحضور العلني لا يقدم، في حد ذاته، دليلا على وجود عملية سرية، بل يؤكد أن المشهد كان قابلا للتوثيق والمشاهدة من قبل العموم.
ومن هنا تصبح الإشارة إلى CNI أكثر دلالة: إذا كانت المؤسسة الاستخباراتية الإسبانية تراقب فعلا التطورات المرتبطة بالمغرب وسبتة، فإن معيارها يفترض أن يكون الأدلة والتحليل، لا الصور المجتزأة والتأويلات الرقمية. أما إذا كانت بعض المنصات الإعلامية تستبق التحقيق الأمني وتقدم فرضياتها وكأنها حقائق، فإن ذلك يطرح سؤالا مهنيا حول الحدود الفاصلة بين الإعلام الأمني والإثارة الإعلامية.
ويسود استغراب كبير من تحويل كل تفاعل مغربي في سبتة المحتلة إلى شبهة استخباراتية لا يكشف بالضرورة عن قوة الرواية التي تقف خلفه، بل قد يعكس حجم الحساسية التي تحيط بالحضور المغربي في المدينة. فحين يصبح التواصل المدني مؤشرا أمنيا، وحين يتحول الجلوس في مقهى إلى «عملية اختراق»، فإن المشكلة لا تعود في الصورة، بل في المنهج الذي يقرأها.
الحضور المغربي في سبتة ليس ظاهرة صنعتها صورة أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يرتبط بامتداد جغرافي وتاريخي وإنساني معقد. ولذلك لا يحتاج هذا الحضور إلى اختراع عملاء سريين أو صناعة مشاهد استخباراتية لإثبات وجوده.
والأخطر أن تحويل الأشخاص المغاربة إلى موضع شبهة لمجرد وجودهم أو تواصلهم داخل المدينة يهدد بتحويل المجال المدني نفسه إلى مساحة للريبة. وهنا يفترض أن يكون دور المؤسسات، بما فيها CNI، هو التمييز الصارم بين ما هو تهديد أمني حقيقي وما هو نشاط مدني أو إعلامي مشروع، لأن الخلط بين الاثنين لا يخدم الأمن ولا الصحافة.
في النهاية، يبقى فنجان القهوة مجرد فنجان قهوة ما لم تثبت الأدلة خلاف ذلك. أما تحويله إلى عملية استخباراتية مكتملة الأركان بمجرد صورة متداولة، فلا يصنع حقيقة أمنية.
وبين عدسات الهواتف ومراقبة المقاهي ووفرة التأويلات، تبدو المفارقة واضحة: كلما غابت الأدلة، ازدادت الحاجة إلى المسرح. وإذا كانت CNI تمتلك فعلا معطيات استخباراتية تثبت وجود نشاط مغربي سري، فمكانها الطبيعي هو الأدلة والتحقيقات الرسمية، لا ترك الصور والتأويلات الإعلامية تقوم مقام الحقيقة.
وهنا تحديدا تفقد الرواية بوصلتها. حين يصبح فنجان قهوة دليلا استخباراتيا، والصورة العلنية قرينة على الاختراق، فإن السؤال لم يعد عن وفاء أو عن الأشخاص الذين ظهروا معها، بل عن المعايير التي يُبنى بها الاتهام، وعن المسافة التي تفصل بين الأمن الحقيقي والمسرحية الاستخباراتية.

