هفتي ضرار
إلى صديقي إنريكي مونتويا، وإلى كل من ينظر من داخل اليمين الإسباني إلى المغرب بعين الريبة، ويصر على اختزال العلاقة بين البلدين في الحدود والسياسة والهجرة والخلافات، ربما حان الوقت لننظر إلى جانب آخر من هذه العلاقة، جانب لا تستطيع الحملات السياسية ولا الخطابات الانتخابية أن تمحوه: الثقافة.
فحين يتحدث بعض المتشددين عن اللغة الإسبانية وكأنها ملكية حصرية لا يحق لغير الإسبان الاقتراب منها، يصبح من المفيد تذكيرهم بحقيقة بسيطة: هناك مغاربة لم يتعلموا القشتالية فقط، بل كتبوا بها وأبدعوا فيها ودرسوها وبحثوا في آدابها، وساهموا في تكوين أجيال جديدة من الباحثين والباحثات الذين جعلوا منها جزءا من مسارهم العلمي والمهني.
وفي مقدمة هذه التجربة يبرز اسم عبد الرحمان الفتحي، الشاعر والكاتب والأديب والأستاذ الجامعي المغربي الذي اختار القشتالية لغة للابداع والبحث والتواصل، وجعل من تجربته الادبية والاكاديمية جسرا بين المغرب وإسبانيا.
فالفتحي ليس مجرد مغربي يكتب باللغة الإسبانية، بل هو نموذج لمثقف مغربي دخل إلى الثقافة الإسبانية من بابها الأكثر صعوبة: باب الأدب والمعرفة.
حصل الفتحي على الدكتوراه في الفيلولوجيا الاسبانية من جامعة إشبيلية، وارتبط اسمه بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان وبالدراسات الإسبانية، كما حصل سنة 2000 على جائزة رافائيل ألبرتي للشعر.
غير أن الأهم في تجربته لا يكمن فقط في الدواوين والكتب والجوائز، بل في الأثر الذي تركه داخل الجامعة المغربية، وخاصة في مسار الدراسات الإسبانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. هناك ساهم، من خلال التدريس والتأطير والتوجيه والبحث، في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين والباحثات المغاربة الذين لم يتعاملوا مع القشتالية باعتبارها لغة أجنبية فقط، بل جعلوا منها تخصصا أكاديميا ومجالا للبحث والإبداع.
ومن خلال هذا المسار، فتح الفتحي أمام الطلبة بابا لم يكن يقتصر على تعلم لغة، بل امتد إلى دراسة الأدب الإسباني واللسانيات والنقد والتاريخ الثقافي والعلاقات المغربية الإسبانية. وهكذا تحول الطالب من متعلم للغة إلى باحث بها، ومن قارئ للأدب الإسباني إلى منتج للمعرفة حوله، ومن متلق للثقافة إلى طرف يشارك في صياغة النقاش الأكاديمي والثقافي.
هذا هو جوهر قيمة الأستاذ الجامعي. فالأستاذ لا يقاس فقط بما يكتبه باسمه، بل بما يتركه في عقول طلبته، وبالأبواب التي يفتحها أمامهم. وما يجعل تجربة الفتحي جديرة بالتوقف هو أن أثره لم يبق محصورا في مساره الشخصي، بل امتد إلى أجيال من الباحثين والباحثات الذين واصلوا الدراسة والبحث والتدريس والترجمة والتواصل الثقافي باللغة الإسبانية.
لقد أصبح هؤلاء جزءا من مشهد أكاديمي مغربي استطاع أن ينتج كفاءات متخصصة في الدراسات الإسبانية، وأن يقدم باحثين وباحثات قادرين على المنافسة والتميز داخل المجال الناطق بالقشتالية. وبعض هؤلاء استطاعوا ان يحققوا حضورا علميا لافتا وأن ينافسوا نظراءهم الإسبان في عدد من مجالات البحث والتخصص، وهو ما يؤكد أن العلاقة المغربية مع اللغة الإسبانية لم تعد علاقة متلق بل علاقة إنتاج ومساهمة.
ومن هنا يصبح الحديث عن القشتالية في المغرب أكثر عمقا من مجرد الحديث عن لغة أجنبية. فالقشتالية وجدت في تطوان وعموم شمال المغرب بيئة تاريخية وثقافية جعلتها جزءا من فضاء التفاعل بين الضفتين، ثم جاءت الجامعة لتمنح هذا التفاعل بعدا علميا منظما، وجاء الأدب ليمنحه بعدا إنسانيا وجماليا.
وفي هذا السياق، يمثل عبد الرحمان الفتحي حالة واضحة لمغربي لم ير في الإسبانية تهديدا لهويته، بل وسيلة لتوسيع حضورها. فقد حمل إلى القشتالية ذاكرة المغرب وتطوان والبحر المتوسط والهجرة والإنسان، وقدم من خلالها تجربة مغربية للقارئ الناطق بالإسبانية.
وهذا تحديدا ما يجب أن يفهمه من ينظر إلى اللغة بمنطق الملكية المغلقة. فاللغة لا تفقد قيمتها عندما يتعلمها الآخرون، بل تصبح أقوى. والثقافة لا تفقد أصالتها عندما تعبر الحدود، بل تكتسب أصواتا جديدة. والادب لا يصبح أقل إسبانية لأن مغربيا كتب فيه، تماما كما لا يصبح الأدب المغربي أقل مغربية عندما يترجم إلى الإسبانية.
بل إن وجود أدباء مغاربة يكتبون بالقشتالية يمثل إضافة إلى الفضاء الثقافي الإسباني نفسه، لأنهم يحملون إليه تجربة مختلفة، وذاكرة مختلفة، ونظرة مختلفة إلى التاريخ والانسان والمتوسط.
ومن هذا المنطلق، لم يتوقف دور الفتحي عند الأدب، بل امتد إلى المجال الأكاديمي والثقافي والدبلوماسي، من خلال ارتباطه بمشاريع جامعية تضع المغرب وإسبانيا وأمريكا اللاتينية داخل فضاء مشترك للتواصل والتدبير الثقافي والدبلوماسي. وهذا يعني أن اللغة يمكن أن تتحول من أداة للتعبير إلى أداة لبناء المعرفة، ثم إلى وسيلة من وسائل الدبلوماسية الثقافية.
وهنا تظهر أهمية تكوين الطلبة والباحثين. فكل طالب مغربي يتعلم الإسبانية ويدرس آدابها، وكل باحث مغربي يكتب أطروحة بها، وكل أستاذ مغربي يدرسها، يمثل حلقة جديدة في سلسلة التواصل بين المغرب والعالم الناطق بالقشتالية.
وهكذا لا يصبح عبد الرحمان الفتحي مجرد شاعر مغربي يكتب بلغة ثربانتس، بل يصبح جزءا من مشروع ثقافي أوسع: مشروع جعل من القشتالية مجالا للإبداع والبحث والتعليم، وساهم في تكوين أجيال مغربية تستطيع أن تدخل إلى الثقافة الإسبانية من موقع الشريك لا من موقع التابع.
ولذلك، اذا كان صديقي إنريكي مونتويا يسمع في بعض الخطابات عبارة من قبيل “لقد سرق المغاربة لغتنا”، فربما عليه أن يعيد قراءة العبارة من زاوية مختلفة.
المغاربة لم يسرقوا القشتالية.
لقد تعلموها.
ثم درسوها.
ثم كتبوا بها.
ثم علموها لأبنائهم وطلبتهم.
ثم ادأنتجوا بها الشعر والبحث العلمي.
ثم جعلوا منها جسرا نحو إسبانيا وأمريكا اللاتينية.
وهذه ليست سرقة.
هذه هي الحياة الطبيعية للغات والثقافات.
فاللغة التي لا يتعلمها الآخرون تموت داخل حدودها، أما اللغة التي يعبر بها الناس البحار والحدود فتكتسب حياة جديدة.
والقشتالية التي وصلت إلى المغرب لم تجد أرضا فارغة، بل وجدت ثقافة عريقة وهوية راسخة ومجتمعا قادرا على استيعاب اللغة وإعادة إنتاجها بطريقته الخاصة.
عبد الرحمان الفتحي واحد من الذين أثبتوا ذلك عمليا، والطلبة والباحثون والباحثات الذين تكونوا في الدراسات الإسبانية بتطوان يمثلون الامتداد الحي لهذه التجربة.
لهذا فإن قصة الفتحي ليست قصة شاعر فقط، وإنما قصة أستاذ ساهم في صناعة أجيال، وباحث فتح أبواب المعرفة، ومثقف جعل من اللغة وسيلة للتقارب، وجسر ثقافي يربط المغرب بإسبانيا وأمريكا اللاتينية.
وفي النهاية، ربما تكون المفارقة الأكثر جمالا أن اللغة التي يتصور البعض أنها جدار يفصل بين الشعوب، استطاعت في تجربة الفتحي أن تصبح جسرا.
فمن تطوان خرجت أصوات مغربية بالقشتالية، ومن الجامعة خرج باحثون وباحثات جعلوا الإسبانية لغة للعلم، ومن الأدب خرجت قصائد تعبر المتوسط، ومن المعرفة خرجت جسور جديدة بين المغرب وإسبانيا.
ولذلك، يا إنريكي، لا، المغاربة لم يسرقوا لغتكم.
لقد أحبوها بما يكفي ليتعلموها، ويكتبوا بها، ويدرسوها، ويبحثوا فيها، ثم يتركوها تعيش في المغرب كما تعيش في إسبانيا.
فاللغة لا يملكها من ولد بها فقط، بل يثريها كل من أحبها وأبدع فيها.

