المساء اليوم – آسفي:
في أطراف مدينة آسفي، داخل مسكن مهجور بين ركام التراب شبيه بالكهوف. من القرون الوسطى ، لا تتوفر فيه أبسط مقومات الحياة، تعيش امرأة مسنة وحيدة. وحين سئلت عما تحتاجه، لم تطلب بيتا ولا مالاً.. طلبت فقط السكر والشاي لترتشف كأسا من الشاي.
سنوات طويلة قضتها حسبية في صمت ومواجهة يومية مع الحرمان. لا ماء، ولا كهرباء، ولا دفء يحمي جسدها من قسوة البرد. أربعة جدران كانت شاهدة على وحدتها، وأيام متكررة تمر دون أن يلتفت إليها أحد.
والأكثر إيلاما أن الجوع بلغ بها أحيانا حدا جعلها تلجأ إلى أكل التراب، في محاولة يائسة لتخفيف ألمها. صورة توجع القلب، وتكشف حجم المعاناة التي عاشتها بعيدا عن الأنظار.
وعندما امتدت إليها يد المساعدة وسألها أحدهم، ماذا تحتاجين؟
توقع الجميع أن تطلب مأوى أو دواء أو مالا يعينها على ما تبقى من عمرها.
لكنها أجابت بهدوء يفيض وجعا.. أريد الشاي والسكر.
كلمات قليلة، لكنها حملت ثقل سنوات من العوز والحرمان. لم تعد المرأة تحلم بالكثير، ولم تعد تنتظر أي شيء. كل ما أرادته لحظة دفء بسيطة، وإحساس بأنها ما زالت إنسانة تستحق أن تعيش بكرامة مثل بقية الناس.
لم تلبث قصة حسبية أن تجاوزت حدود ذلك المكان المنسي. انتشرت صورها وتسجيلاتها، فتحولت في ساعات إلى قضية رأي عام. تعاطف واسع وغضب وصدمة اجتاحت مواقع التواصل، وتعالت المطالبات بالتدخل العاجل لإنقاذها.
لكن القصة تطرح سؤالا أكبر من حالة فردية، كم من حسبية أخرى تعيش اليوم في الظل؟ نساء مسنات لا كاميرا توثق معاناتهن، ولا صوت يصل إلى أحد.
المشكلة لا تكمن فقط في مسكن يفتقر إلى شروط الحياة، ولا في امرأة تتمنى الشاي والسكر. المشكلة في حاجتنا إلى منظومة رعاية حقيقية تصل إلى الإنسان قبل أن تتحول معاناته إلى مادة تتداولها وسائل الإعلام.
اليوم حسبية لا تحتاج إلى مزيد من التعاطف الافتراضي، بقدر ما تحتاج إلى خطوة عملية تعيد إليها الأمان والدفء والكرامة.
فبعض الأمنيات الصغيرة، حين تصدر عن قلب أنهكه الحرمان، تتحول إلى مسؤولية جماعية.
حسبية لم تطلب الكثير… فهل يكون كثيرا أن نمنحها ما تبقى لها من عمر في ستر وأمان؟

