تطوان: هفتي ضرار
بدأت حمى حسابات التزكيات الانتخابية داخل حزب “الأصالة والمعاصرة” تفرض نفسها مبكرا بعمالة المضيق–الفنيدق، مع اقتراب استحقاقات 2027، وسط نقاشات سياسية محلية تتجاوز مجرد اختيار أسماء المرشحين، لتطرح أسئلة بشأن مستقبل عدد من الوجوه التي ظلت حاضرة في المشهد الانتخابي والتدبيري بالمنطقة.
ففي مدينة المضيق، يظل اسم المرابط السوسي ضمن الأسماء المطروحة في النقاش المرتبط بالتزكية، وسط تساؤلات حول إمكانية تجديد الثقة فيه، أم الاتجاه نحو أحد الوجوه القديمة داخل الحزب والأطر الشابة.
ويبدو أن الاختيار يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن المعايير التي ستعتمدها القيادة الحزبية في حسم مرشحها، بين الاعتبارات التنظيمية والحضور الميداني والرصيد الانتخابي. فالتزكية ليست مجرد قرار داخلي، بل اختيار يضع الحزب أمام مسؤولية تقديم مرشح قادر على خوض المنافسة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المحلي.
أما بمدينة الفنيدق، فتتداول الأوساط السياسية المحلية معطيات تفيد بأن الأمين الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة يتجه نحو تزكية الياسني لخوض الاستحقاقات المقبلة، عوضا عن رئيس مجلسها الحالي النجمي.
وإذا تأكد هذا التوجه، فسيعني ذلك إعادة ترتيب الاختيارات الحزبية بالمدينة، وفتح نقاش حول خلفيات هذا التغيير وانعكاساته على التوازنات الداخلية. غير أن الأمر يظل، إلى حدود الساعة، في نطاق ما يتم تداوله محليا، في انتظار أي إعلان أو قرار تنظيمي رسمي.
لكن الرهان الأكثر حساسية يظل بمدينة مرتيل، حيث يجد محمد العربي المرابط نفسه أمام وضع سياسي مركب، باعتباره الأمين الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة، والبرلماني عن الدائرة الانتخابية للمضيق–الفنيدق، ورئيس مجلس جماعة مرتيل، وهي مسؤوليات تجعل النقاش حول مستقبله السياسي مرتبطا كذلك بتقييم حصيلة التدبير الجماعي ومدى استجابة المجلس لانتظارات السكان.
الناخب في مرتيل لم يعد يكتفي بالخطاب الانتخابي أو الوعود الموسمية.د، فهناك ملفات يومية تفرض نفسها في النقاش العام، من وضعية الطرق والأرصفة والإنارة والنظافة، إلى جانب الاختلالات التي تعرفها بعض الأحياء، فضلا عن مطلب تحقيق عدالة مجالية في توزيع مشاريع التهيئة والخدمات بين مركز المدينة والأحياء الشعبية والتجزئات السكنية.
كما أن التفاوت في مستوى التهيئة بين بعض المناطق، ومن بينها محيط كابونيغرو والتجمعات والأحياء المجاورة، يعيد طرح سؤال الإنصاف المجالي. فمرتيل ليست مجرد وجهة سياحية موسمية، بل مدينة يعيش فيها المواطنون على مدار السنة، ويحتاجون إلى خدمات ومرافق وفرص شغل لا ترتبط فقط بفصل الصيف أو بحركة النشاط السياحي.
وعلى المستوى الانتخابي، تكشف مقارنة نتائج محمد العربي المرابط بالدائرة الانتخابية المحلية للمضيق–الفنيدق عن انخفاض في عدد الأصوات التي حصل عليها بين استحقاقي 2021 و2026. فبعدما تصدر نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 بحصوله على 9,299 صوتا، عاد في اقتراع 23 شتنبر 2026 ليحصل على 7,507 أصوات، محتفظا بالمقعد البرلماني لولاية ثانية. وبذلك بلغ الفارق 1,792 صوتا، أي ما يقارب 19.3 في المائة من رصيده المسجل سنة 2021.
غير أن قراءة هذه الأرقام تقتضي وضعها في سياق نسبة المشاركة؛ إذ انتقلت المشاركة بالدائرة من نحو 40.8 في المائة سنة 2021 إلى قرابة 21 في المائة سنة 2026، وفق المعطيات المنشورة بشأن الاستحقاقين. لذلك لا يمكن اعتبار انخفاض عدد الأصوات وحده دليلا قاطعا على تراجع الشعبية، لكنه يظل مؤشرا انتخابيا يستحق التوقف عنده، خصوصا عند تقييم تطور الخريطة الانتخابية وحسابات الحزب للمرحلة المقبلة.
وفي مرتيل تحديدا، تتداول أوساط محلية تساؤلات بشأن مستقبل عدد من الوجوه السياسية المنتمية إلى الأغلبية المسيرة للمجلس الجماعي، بعدما أصبح تكرار الأسماء نفسها موضوع نقاش وانتقاد لدى فئات من الناخبين.
ووفق متابعين للشأن المحلي فإن عددا من هذه الوجوه لم تعد تحظى بالقبول نفسه الذي كانت تتمتع به في مراحل سابقة، وأن استمرار حضورها في واجهة المشهد قد يفتح المجال أمام منافسين جدد، سواء من داخل الأحزاب أو من خارجها.
وتزداد هذه الحسابات تعقيدا مع الحديث عن إمكانية دخول عدد كبير من اللوائح والمرشحين المستقلين إلى السباق الانتخابي، في مشهد قد يعرف تعددا في الأسماء والاختيارات. كما سيظل القاسم الانتخابي عنصرا حاضرا في حسابات التنافس وتوزيع المقاعد، بما يفرض على التنظيمات السياسية إعادة ترتيب تحالفاتها وتقدير خياراتها الانتخابية في ظل احتمال اتساع دائرة المنافسة.
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن التحولات التي طرأت على نظرة المواطن إلى العمل السياسي. فالمقارنة الاجتماعية اليومية بين أوضاع الأسر والأحياء، وبين الظروف المعيشية للمواطنين وبعض الوجوه التي تغيرت أحوالها بعد دخولها المجال السياسي، أصبحت حاضرة في النقاش العام. وهي مقارنات تطرح أسئلة حول معنى المسؤولية والتمثيل والمحاسبة، من دون أن تشكل في حد ذاتها دليلا على ارتكاب أي مخالفة أو تجاوز.
فالمواطن الذي يواجه صعوبات الشغل وغلاء المعيشة وضعف الخدمات، ينظر إلى المرشح من زاوية ما تحقق على أرض الواقع، وليس فقط من خلال انتمائه الحزبي أو موقعه التنظيمي. كما أن القدرة المالية على خوض الحملات لا تعوض غياب الحصيلة أو ضعف التواصل مع الساكنة؛ فالتزكية قرار تتخذه الهياكل الحزبية، أما تقييم الأداء فيبقى من اختصاص الناخبين عبر صناديق الاقتراع.
وهنا تبرز الأسئلة التي تواجه قيادة حزب الأصالة والمعاصرة بعمالة المضيق–الفنيدق. هل ستعتمد على الأسماء التي اعتادت تصدر المشهد، أم ستفتح المجال أمام مراجعة اختياراتها وفق معايير الحضور الميداني والحصيلة والتجربة.. وهل ستكون التزكيات مناسبة لتجديد النخب المحلية، أم ستظل محكومة بالتوازنات التنظيمية والحسابات الداخلية؟

