المساء اليوم:
الكاتبة الإسبانية ماريا دوينياس، صاحبة الرواية الشهيرة (El tiempo entre costuras)، تعود في كتابها الجديد إلى مدينتين مغربيتين ارتبطتا بتاريخها الشخصي والعائلي، لتروي حكاياتهما بين الحقيقة والخيال، والذاكرة والحنين.
في قراءة أدبية وتاريخية لافتة، يسلط الكاتب والصحفي الإسباني خافيير ريويو الضوء على كتاب ماريا دوينياس الجديد «تطوان وطنجة: ذكريات وآثار وأشباح»، الصادر سنة 2026 عن دار النشر الإسبانية Tintablanca، معتبراً أن المدينتين تمثلان عالمين مختلفين، لكنهما متكاملان في الذاكرة والتاريخ.
يقول ريويو إن طنجة تمثل جنساً أدبياً قائماً بذاته، بما تحمله من أساطير وحكايات وشخصيات وأسرار، بينما تظل تطوان استحضاراً عاطفياً عميقاً، ومدينة تختزن الحنين والذكريات العائلية. ورغم اختلافهما، فإن المدينتين لا يمكن فهم تاريخهما الحديث بمعزل عن الحضور الإسباني الذي ترك بصماته في العمران والثقافة والحياة الاجتماعية.
طنجة… مدينة الأساطير والذاكرة
يخصص الكتاب مساحة مهمة لطنجة، المدينة التي لطالما ألهمت الأدباء والكتاب والسينمائيين، وتحولت إلى فضاء تتداخل فيه الوقائع التاريخية بالأساطير والصور المتخيلة.
وترى القراءة أن دوينياس تنجح في استحضار مجد طنجة وألقها القديم، دون أن تغفل فترات التراجع والانحسار التي عرفتها المدينة. فهي لا تكتفي بتقديم صورة سياحية جذابة، بل تنبش في الذاكرة الجماعية، وتستحضر عالماً كان جميلاً وعابراً، ترك أثره في الأدب والتاريخ.

وفي هذا السياق، تحضر أعمال الكاتب الإسباني أنخيل فاسكيز، الذي استطاع أن يصور ببراعة جمال عالم طنجة الآفل، ويخلد تفاصيل مرحلة تاريخية لم يعد بالإمكان استعادتها.
كتاب يتجاوز أدب الرحلات
لا يقدم كتاب «تطوان وطنجة: ذكريات وآثار وأشباح» مجرد دليل سياحي للتعرف على المدينتين، بل يجمع بين أدب الرحلة والتوثيق التاريخي والسرد الشخصي.
ويزداد الكتاب جمالاً بفضل اللوحات المائية للفنان خيسوس كوندي، التي ترافق النصوص وتمنح القارئ فرصة لاستكشاف تفاصيل المدينتين بصرياً، إلى جانب استحضار ماضيهما الثقافي والاجتماعي.
وتبدو رحلة ماريا دوينياس في جوهرها محاولة للبحث عن الذات من خلال المكان، والعودة إلى تاريخ عائلي وثقافي ساهم في تشكيل شخصيتها الأدبية.
“مدينتان كانتا… ولن تعودا كما كانتا”
يلخص خافيير ريويو رؤيته للكتاب بوصفه رسالة حب موجهة إلى تطوان وطنجة؛ مدينتين حقيقيتين وغامضتين في الوقت نفسه، عاشتا تحولات عميقة، ولم تعودا كما كانتا في الماضي، لكنهما لا تزالان تحتفظان بسحرهما وقدرتهما على استدعاء الذاكرة.
إنهما، بحسب تعبير المقال، «كذبتان جميلتان»؛ ليس لأنهما مدينتان متخيلتان، بل لأن صورتهما في الوجدان تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة، والتاريخ بالحنين، والواقع بما صنعه الخيال.
وهكذا، لا تكتب ماريا دوينياس عن تطوان وطنجة باعتبارهما مجرد محطتين جغرافيتين، بل باعتبارهما عالمين من الذاكرة الإنسانية، تختبئ في شوارعهما حكايات الماضي، وتلتقي فيهما سيرة المدن بسيرة العائلات والأفراد.

