المساء اليوم - متابعة: في الوقت الذي تسعى فيه الجزائر وفرنسا لتهدئة التوترات السابقة بين البلدين بسبب قضايا خلافية عالقة، من بينها ملف الذاكرة، تُنذر جائزة فكرية ستخصصها لجنة وطنية فرنسية مستقلة لتكريم الحركيين، بعودة السجال بين باريس والجزائر التي تنظر لـ"الحركي" بصفته عميلا للاستعمار وخائن. وأطلقت اللجنة الفرنسية المستقلة اليوم الأربعاء جائزة "تثمّن تاريخ الحركيين ومسيرتهم"، بهدف مكافأة عمل فني أو فكري يتناول ما تصفه بـ"المصير المأسوي" للحركيين، كما أشار بيان اللجنة إلى أنّ "الأعمال الفنية التي تتناول تاريخ الحركيين نادرة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط"، قائلة في بيانها "فيما تسعى الدولة الفرنسية إلى القيام بعمل يخلّد مسار حياتهم، يبدو من المهم تحديد الأعمال الفكرية التي تتناول عبر الفن المصائر المأسوية للحركيين، بهدف تثمينها". ويبلغ عدد الحركيين نحو 200 ألف شخص، جُنّدوا كمساعدين للجيش الفرنسي خلال حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962)، ثم تخلت عنهم فرنسا في نهاية هذا الصراع وكانوا ضحايا لأعمال انتقامية، وعقب نهاية الحرب أودع عشرات الآلاف من الحركيين وعائلاتهم بعد إجلائهم إلى فرنسا، داخل "مخيمات عبور وإعادة تصنيف" أدارها الجيش الفرنسي، في ظل ظروف معيشية صعبة جدا. وتعتبر اللجنة الوطنية المستقلة للاعتراف بالأضرار التي لحقت بالحركيين والتعويض عنها أنّ "الأعمال الفنية التي تتناول تاريخ الحركيين نادرة وغير معروفة للجمهور"، كما تأمل في "تثمين تاريخ الحركيين ومسيرتهم من خلال مكافأة عمل فكري أو فني واحد أو أكثر تطرّق إلى تاريخ الحركيين بطريقة مميزة"، وتعتزم "تشجيع تطوير النشاط الفني والأكاديمي" المرتبط بهذا الموضوع. ويمكن لأي شخص أنتج أو شارك في إنتاج عمل فكري أو فني الترشّح للحصول على الجائزة التي ستُمنح خلال الأيام التي تسبق اليوم الوطني لتكريم الحركيين، والذي يصادف الـ21 من شتنبر، وبعد مرور عام على طلب ماكرون باسم فرنسا "الصفح" من الحركيين الجزائريين الذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر، معلنا حينها إقرار قانون "تعويض"، في خطوة جاءت بينما كان يتفادى الاعتذار العلني للجزائر عن سنوات الاستعمار وعن مقتل مليون ونصف المليون جزائري في حرب التحرير (1954-1962)، وكان يشدد على طي صفحة الماضي الاستعماري. ونكأ الرئيس الفرنسي جراح الجزائريين حين أقام في العام الماضي في قصر الإليزيه مراسم تكريم بحضور حركيين سابقين وأسرهم ومسؤولين عن جمعيات وشخصيات، قائلا وقتها "لكم امتناننا، لن ننسى. أطلب الصفح، لن ننسى"، ووعد ماكرون قبل نهاية السنة الماضية بطرح مشروع يهدف إلى أن تتضمن القوانين الفرنسية "اعترافا بالحركيين والتعويض لهم"، مضيفا "شرف الحركيين يجب أن يحفر في الذاكرة الوطنية"، داعيا إلى "تضميد الجروح التي يجب أن تندمل من خلال كلام يشدد على الحقيقة ومبادرات تعزز الذاكرة وتدابير ترسخ العدالة". وأعد مؤرخون فرنسيون بالتنسيق مع جمعيات وممثلين عن "الحركي" تقريرا من 188 صفحة عن وضع الحركيين الجزائريين وعائلاتهم منذ أن وصلوا فرنسا بعد إعلان اتفاق وقف النار في 19 مارس 1962 والذي مهد الطريق لاستقلال الجزائر في 5 يوليوز من العام ذاته. ويحمل التقرير عنوان "فرنسا تكن الاحترام والتقدير للحركي"، ويتضمن 56 إجراء أبرزها إنشاء "صندوق للتضامن ولمساعدة الحركي" بقيمة 40 مليون يورو هدفه تقديم الدعم المالي لهم ولعائلاتهم وتمويل بعض المشاريع الاقتصادية، وفق القناة نفسها. ولم تكن تلك المرة الأولى التي "يكرّم" فيها ماكرون الحركيين فقد سبق أن رفّع الرئيس الفرنسي مقاتلين حركيين سابقين وممثلين لجمعياتهم إلى رتبة جوقة الشرف والاستحقاق الوطني، بحسب مرسوم بتاريخ 20 شتنبر 2018 الذي نص على ترفيع ستة مقاتلين حركيين سابقين ومؤسسة جمعية لهم إلى درجة جوقة الشرف برتبة فارس.