المساء اليوم – متابعات:
بعد عدة أشهر من التوتر، الذي وصل حدودا غير مسبوقة بين الرباط ومدريد، تغيرت علاقات إسبانيا مع المغرب بشكل كبير، ما حول الرباط إلى أهم شريك اقتصادي لمدريد، لكن بالمقابل وصلت علاقات مدريد بالجزائر إلى مرحلة القطيعة بعد توقف التبادل التجاري والتواصل الدبلوماسي.
وتواجه مدريد ضغطا كبيرا للحفاظ على علاقات جيدة مع البلدين معا في وقت واحد. وبعد توتر غير مسبوق، تحسنت العلاقات بين إسبانيا والمغرب بشكل كبير، وتوج ذلك بتوقيع اتفاقيات كبيرة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، للمغرب لحضور الاجتماع الرفيع بين البلدين.
ووفق مصادر إعلامية إسبانية فإنه يمكن القول إن سانشيز انتقل من الجزائر وغازها إلى المغرب والهيدروجين المتجدد في المستقبل. وأثناء تواجده بالمغرب، أبرز سانشيز، “الفرصة الكبرى” التي تمثلها إسبانيا لجعل المغرب شريكا في تطوير الهيدروجين الأخضر، مع التأكيد على الروابط التي توحد البلدين.
جاء ذلك خلال كلمته في منتدى الأعمال الإسباني المغربي، المنعقد في إطار الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى بين البلدين بالرباط. بالمقابل، لم تتحسن العلاقات الإسبانية الجزائرية ويشتكي الإسبان من توقف التبادل التجاري، فيما بات الغاز الجزائري يصل إلى مدريد عبر أنبوب وحيد بعد إيقاف الأنبوب المغاربي الذي يمر عبر المغرب العام الماضي.
وبعد ستة أشهر من تعليق الجزائر العمل بمعاهدة الصداقة مع إسبانيا بسبب موقف مدريد الجديد بشأن النزاع في الصحراء الغربية، ما زالت المبادلات الاقتصادية بين البلدين مشلولة، الأمر الذي يثير استياء الشركات المتضررة بشدة. يقول الأكاديمي المحلل الإسباني، بيرنابي لوبيز، إن الوضع الحالي يشير إلى أنه بدون شك هناك موقف إسباني لصالح المغرب عكس الجزائر.
وبالنسبة للمحلل فمدريد تسعى إلى علاقات جيدة مع المغرب لأنه الجار الأقرب، ولكن ليس بهدف توتير العلاقات مع الجزائر. ووقع المغرب وإسبانيا، الخميس، مذكرات تفاهم ثنائي في عدة مجالات تعزيزا “لشراكتهما الاستراتيجية” في اجتماع وزاري رفيع المستوى، بعدما طوى البلدان أزمة دبلوماسية حادة بسبب قضية الصحراء الغربية وعلى الرغم من انتقادات في مدريد “لتنازلات” رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز.
وأعلن سانشيز التوقيع على بروتوكول اتفاق “مالي هام بقيمة 800 مليون يورو لتحفيز الاستثمار في القطاعات الاستراتجية بالمغرب” مثل الصناعات الغذائية والسكك الحديد والسياحة وتدبير المياه، مؤكدا رغبة بلاده في أن تصبح “مستثمرا مرجعيا بالمغرب”.
لكن ذلك يأتي على حساب العلاقات المتوترة مع الجزائر، ويقول المحلل لوبيز، إن الجزائر هي الغاضبة من إسبانيا وليس العكس. “من المستحيل الحفاظ على علاقات جيدة مع البلدين معا”، وفق الأكاديمي، لوبيز، ويشير إلى أن المغرب والجزائر يتنافسان ويتنازعان، والأكثر من ذلك فكلاهما يجبر باقي الشركاء على اختيار صفه، بمعنى “معي أو مع غيري”.
ويقول المحلل السياسي الإسباني إن الهجرة غير الشرعية والأمن مرتبطان بالمغرب، ما يمنحان الرباط القدرة على “ابتزاز” مدريد، إضافة إلى قدرة الرباط على “خنق” الجيبين الإسبانيين، سبتة ومليلية. في المقابل، يقول لوبيز، إن الجزائر تمتلك ورقة الغاز، وهو ما يمكنها استغلاله لـ”ابتزاز” إسبانيا، إضافة إلى قدرتها على منع الوارادات الإسبانية، ولكن مع ذلك فهي بخلاف المغرب، لا يمكنها الضغط على سبتة ومليلية.
وغيرت إسبانيا العام الماضي موقفها التاريخي من قضية الصحراء وأعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي اقترحته الرباط لحل القضية. ورغم اعتماد إسبانيا على الغاز الجزائري، قال رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز من الرباط “سنعزز شراكة اقتصادية متقدمة جديدة بين إسبانيا والمغرب ستسمح لنا بتوليد الثروة والازدهار للعائلات والشركات في كلا البلدين”.
وأكد سانشيز أن حكومة المغرب استجابت “بعزم” للتحديات التي تواجه اقتصادها، وعززت “تنشيط اقتصادها من خلال جذب الاستثمار الخاص، المحلي والدولي على حد سواء”. أما بالنسبة للجانب الجزائري، فإن عام 2022 سيذكر بلا شك بقطع العلاقات مع هذا البلد بعد أن قررت الحكومة دعم المغرب في مسألة الصحراء، ما جعل الجزائر توقف التواصل الدبلوماسي مع السلطة التنفيذية الإسبانية.
وأدى ذلك إلى توتر العلاقات التجارية، بما في ذلك انخفاض الغاز الطبيعي، وتنتظر الجزائر وصول حكومة إسبانية جديدة لتحسين العلاقات. ويكرس الاجتماع الرفيع المستوى بين الحكومتين المغربية والإسبانية المصالحة التي توصلتا إليها في مارس الماضي، عندما أعلن سانشيز تأييد إسبانيا لاقتراح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب حلا وحيدا للنزاع في الصحراء.
لكن هذا الود لا يحظى بالإجماع في اسبانيا إذ فضلت وزيرة العمل، يولاندا دياز، من حزب بوديموس اليساري، عدم المشاركة في الزيارة إذ إن حزبها يعارض بشدة التحول “من جانب واحد” لسانشيز من نزاع الصحراء.

