fbpx
رأي

السقوط الأخلاقي لـ”فيسبوك”

علي أنوزلا

مرة أخرى، سقط “فيسبوك” في الامتحان، أمام الحرب الروسية على أوكرانيا، فمنذ بدء هذه الحرب، وعملاق المواقع الاجتماعية يقدّم نفسه أنه يمثل معسكر “الخير” ضد معسكر “الشر”، إلى درجة سمح لنفسه أن يحدّد من هم الأشرار الذين يجب قتلهم بدم بارد من خلال دعوات عنف يرسلها روّاده من وراء شاشاتهم وضمائرهم مطمئنة، لأنّهم يحاربون الشر! ففي غضون هذه الحرب المدمرة، أعلنت شركة “ميتا” الشركة الأم لـ”فيسبوك” و”إنستغرام”، عن إجراء تغيير مؤقت على سياسة تحريرها، وفتحت الباب لروّادها باستخدام عباراتٍ من قاموس خطاب الكراهية والعنف ضد معسكر الشر في هذه الحرب، والذي حدّدته الشركة في الجيش الروسي وقادته، فما قامت به الشركة أشبه بصكوك الغفران التي كانت تمنحها الكنيسة لأتباعها في القرن الثالث عشر، لتطهير أنفسهم من الذنوب وإعفائهم من العقاب على الخطايا، وفي هذه الحالة تتسامح صكوك الغفران الجديدة مع من يلجؤون إلى استعمال خطابات كراهية تحثّ على العنف وتحرّض على ارتكاب القتل، لكن باستثناء عندما تكون تلك الخطابات موجهة إلى من صنّفهم “فيسبوك” سلفا بأنهم يمثلون معسكر الشر! بمعنى أنّ “فيسبوك” وضع نفسه وصياً على ضميرنا الجمعي، وحدّد بعض الأشخاص الأشرار الذين يجب تحريض الناس ضدهم، وقول أشياء عنيفة عنهم وتهديدهم بالقتل.

تتقمص الشركة هنا دور الأخ الأكبر الذي يعرف متى يسمح لنا بالتعبير عن غضبنا، وينتقي لنا العبارات التي تترجم حدّة هذا الغضب وعنفه. في هذه الحالة، معسكر الشر بالنسبة لـ”فيسبوك” هو الجيش الروسي وقادته العسكريون والسياسيون، وفي مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فهؤلاء لا ضير من شتمهم وتحقيرهم والدعوة الصريحة إلى قتلهم، فقط لأنّهم “روس” وليس مطلوباً من مرتكب هذا الخطاب العنيف أن يعرف لماذا مسموح له أن يُفرغ غضبه في هؤلاء الأشخاص، ما دامت الشركة قد قرّرت أنّهم يمثلون الشر بعينه. وأمام هذا السقوط الأخلاقي الكبير، لستَ مضطراً لأن تكون مؤيداً لحرب بوتين الهمجية في أوكرانيا لتجد ذلك أمراً مزعجاً وقرفاً، بما أنّ خطاب العنف والكراهية غير مقبول، ويجب عدم التسامح معه، كيفما كان الشخص أو الجهة التي يستهدفها، وإلّا فإنّ الإنسانية ستعود قروناً ضوئية إلى الوراء إلى قانون الغاب، إذا لم يكن قانون الغاب أرحم وأعدل مما نشاهده في عالمنا اليوم.

من حقّ مجموعة فيسبوك أن تصطفّ إلى جانب المعسكر الذي تختاره في هذه الحرب، ومن حقها أن تغلق منصّاتها أمام من تصنفهم “أشراراً” لكن لا يمكنها أن تقدّم نفسها أنّها تمثل معسكر “الخير” وأكثر من ذلك مدافعة عن نصرة الشعوب المضطهدة أمام الغزاة والمحتلين والمستبدّين. كما لا يمكنها البتّة أن تضع نفسها في موقع الوصي على تصريف “شحنة الغضب” الإنساني بشكل مؤقت، حتى يرتاح ضمير الإنسانية، تماما كما تفعل الجيوش المتحاربة عندما تفتح “ممرّات إنسانية” للمدنيين، ليمرّوا بسلام قبل أن تستأنف قصفها المدمّر من كلّ الاتجاهات.

لقد كشفت “فيسبوك” عن ازدواجية فظيعة ومقيتة في المعايير، تخضع لها قواعدها المتعلقة بالنشر، فهذه المجموعة التي تبرّر اليوم قراراتها “الاستثنائية” كونها تساند الشعب الأوكراني الذي يقاوم القهر والاحتلال والاستبداد، تعمل، منذ سنوات، على السماح بنشر خطابات كراهية ضد العرب والمسلمين، وتحصر حتى اليوم كلّ منشور تعدّه يحمل “تحريضاً” ضد الاحتلال الإسرائيلي، سواء تعلق الأمر بمجرّد تعليق أو صورة أو فيديو يوثّق الانتهاكات اليومية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني المقاوم. وفي المقابل، تسمح للإسرائيليين باستخدام منصّاتها في الدعوة إلى قتل الفلسطينيين، والإشادة بجرائم الاعتداء الوحشية ضدهم والتنكيل بهم وهدم الجيش الإسرائيلي والمستوطنين المتطرّفين بيوتهم وإحراقها. وخلال الأعمال العدائية على الفلسطينيين في عام 2021، محت شركة “فيسبوك” محتوياتٍ نشرها فلسطينيون ومناصروهم في العالم، تتضمّن الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في إسرائيل، على الرغم من أنّها لم تحمل أيّ دعواتٍ إلى العنف أو الكراهية، فالدعوة إلى العنف والكراهية، بل وإلى القتل، تكون مقبولة، وعملاً “أخلاقياً” عندما تحدد “فيسبوك” متى يمكن استخدامها وضد من يجب توجيهها، فهو الذي يعرف من هم الأشخاص الذين يستحقون القتل!

أمام هذه المعايير المزدوجة، ما الذي سيقوله “فيسبوك” لملايين اليمنيين الذين فرضت عليهم حرب إجرامية منذ ثماني سنوات؟ وما الذي سينصح به ملايين العراقيين الذين دمر الاحتلال الأميركي بلادهم على مدى عشرين سنة؟ وما الذي سيواسي به خمسة ملايين ليبي حوّلت قوات “الناتو” بلادهم إلى أكبر ساحة حرب أهلية مستعرة منذ أزيد من عقد؟ والشيء نفسه بالنسبة لملايين السوريين، ما هي العبارات التي يختارها لهم “فيسبوك” للتعبير “استثناء” عن القتل والتشريد الذي يعرّضه لهم نظامهم الإجرامي القاتل؟ والسؤال نفسه يطرح على القائمين على هذه المنصّة عندما يتعلق الأمر بما عانى منه الأفغان، جرّاء الاحتلال الأميركي لبلادهم طوال العقدين الماضيين. وزد على ذلك ما الذي سيقوله “فيسبوك” لملايين الضحايا من مسلمي الروهينغا الذين تعرّضوا لحرب إبادة جماعية عام 2017 غذّتها خطابات الكراهية ودعوات القتل ضدهم التي بثتها وضخّمتها منشورات “فيسبوك”؟!

عمالقة وسائل التواصل يمكنها أن تهيمن على حياتنا الخاصة، وأن تتحكّم في بعض سلوكاتنا الاجتماعية، لكنها لا يمكن أن تنصّب نفسها “مرشداً” أخلاقياً، خصوصاً في حالات الحرب. ومن يؤمن بالحرية يجب أن يكون أصولياً في اعتقاده بهذه القيمة، ومن حقّ الناس، في حالة الغضب، أن تعبّر عما يختلج في صدورهم، لكن بدون أن يكون ذلك خاضعا لتوجيه عام صادر عن مؤسسةٍ تريد أن تنصّب نفسها حارسة الكلام والفكر والعاطفة والمعتقدات، بما فيها التي تتعلق بالحياة والموت، فالعواطف ليست زرّا تتحكم فيه خوارزميات “فيسبوك” يمكنها تفعيله وتعطيله كما يحلو لها.

تصرّف “فيسبوك” عرّضه للنقد من كثيرين من روّاد المواقع الاجتماعية الذين عبّروا عن امتعاضهم من “المعايير المزدوجة” التي تسمح بالتسامح مع الكراهية ضد الروس، لكن ليس ضد غيرهم من أنواع الاحتلال، خصوصاً الغربية والإسرائيلية. لكنّ هذا النقد لا يعفي من توجيه اللوم والنقد أيضا إلى منظمات حقوقية دولية كثيرة، ومن وسائل الإعلام الكبيرة التي التزمت الصمت أو اكتفت فقط بالاستهجان، ولم تبادر إلى الإدانة والشجب الصريحيْن لتصرّف هذه الشبكة التي تحوّلت إلى أكبر دولة استبدادية افتراضية على وجه الأرض، على رأسها دكتاتور اسمه مارك زوكربيرغ، مهووس بجمع المال ومراكمة الثراء الفاحش على حساب القواعد والقيم الإنسانية المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!