fbpx
رأي

الفرنسيون أمام خيار صعب

علي أنوزلا

مرّة أخرى، سيواجه الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته، إيمانويل ماكرون، مرشحة اليمين الفرنسي المتطرّف، مارين لوبان، في منازلة حاسمة قبل أن يقرّر الفرنسيون من سيكون رئيسهم أو رئيستهم المقبلة. فقد سبق لهذا الثنائي أن تواجها عام 2017، لكن هذه المرّة هناك احتمال أن تنتصر لوبان على ماكرون في اقتراع يوم الأحد المقبل، وهذا هو السيناريو الأسوأ الذي يخشاه كثيرون داخل فرنسا وخارجها.

لذلك، لا يتعلق الأمر هذه المرّة بمجرد تكرار لنسخة المواجهة التي جرت بين الطرفين قبل خمس سنوات، وإنما بِرِهَانٍ حقيقي قد تكون نتائجه مفزعةً على أكثر من مستوى، لو استيقظ العالم على انتصار زعيمة اليمين المتطرّف في فرنسا، مع ما سيحمله ذلك من تداعياتٍ كبيرة على المستوى الداخلي، وعلى مستوى السياسة الخارجية لفرنسا.

ليست هذه هي المرّة الأولى التي يصل فيها ممثل لليمين المتطرّف إلى الجولة الثانية في سباق الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فقد سبق لوالد مارين لوبان، جون ماري لوبان، أن تنافس على المقعد الرئاسي في فرنسا في الجولة الثانية لانتخابات 2002، وتكرّر السيناريو نفسه مع ابنته عام 2017، واليوم تخوض تجربتها الثانية في محاولة الوصول إلى رئاسة فرنسا، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في بلدها، وأول ممثل لليمين المتطرّف يصل إلى سدة الحكم في فرنسا.

لا يتعلق الأمر هذه المرّة بمزحة. ولذلك لا يمكن التقليل من أهمية فوز السيدة لوبان الذي لم يعد مجرّد نظرية، وإنما حقيقة قد تسفر عن خسارة مدوية للرئيس الفرنسي الذي غذت سياساته، طوال السنوات الخمس الماضية، انتعاش اليمين المتطرّف في فرنسا الذي حصل في الجولة الأولى من الانتخابات قبل أسبوعين على أكثر من 32% من أصوات الناخبين الفرنسيين. والمفارقة أنّ ممثلة اليمين المتطرّف قد تفوز هذه المرّة بفضل أصوات ناخبي اليسار الفرنسي الذين حصدوا ثلث أصوات الناخبين في الجولة الأولى من الانتخابات.

وحسب استطلاعات الرأي، فإنّ امتناع أكثر من ربع هؤلاء عن التصويت يوم الأحد المقبل سيكون في صالح مرشّحة اليمين المتطرّف، فأغلب هؤلاء أحبطتهم السياسة الليبرالية المتوحشة للرئيس المنتهية ولايته، وكلّ ممتنع عن التصويت من بين هؤلاء أو من سيصوّت منهم بالورقة البيضاء سيكون صوتاً عقابياً ضد ماكرون، وفي صالح لوبان، في مفارقة مثيرة للسخرية والخوف على حد سواء، كما لو كان الأمر يتعلق باللعب بالنار!

لا يتعلق الأمر بمجرّد مخاوف لا أساس لها من الصحة، وإنما هو واقع لا يرتفع، بات يفرض نفسه على الفرنسيين، فالسيدة لوبان عرفت كيف تطوّر خطابها وتجعله يغازل شرائح من المجتمع كانت تجد نفسها في اقتراحات الأحزاب اليسارية وتلك الراديكالية منها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواضيع تتعلق بظروف العيش اليومي وبمستوى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبمعدل الدخل. كما أنّ لوبان عملت على تحسين صورتها الإعلامية لتقدّم نفسها يمينية معتدلة، وقد ساعد تطرّف زميلها في اليمين المتطرف ومنافسها السابق في الترشّح للرئاسة، إريك زيمور، في إظهارها في موقع اليمينية المعتدلة.

وهكذا عدّلت من خطابها المعادي للأجانب، وتراجعت عن تصريحاتها المتطرّفة ضد الحجاب، وعزفت كثيراً على “الشوفينية الوطنية الفرنسية”، وأخيراً تقدّم نفسها مدافعة عن قيم الديمقراطية، مستغلة دعوة زعامات من اليمين الجمهوري ومن اليسار لقطع الطريق أمامها، على اعتبار أنّها دعواتٌ تمس جوهر الديمقراطية التي تقوم على حرية الاختيار، وهذا حقٌّ أريد به باطل، لأنّ لوبان لم تعلن عن التخلي نهائياً ورسمياً عن أيّ من الأهداف الاستراتيجية التي يتبنّاها اليمين المتطرّف.

لا تخفي مارين لوبان إعجابها بأفكار زعماء اليمين المتطرّف في أوروبا على غرار الرئيس المجري فيكتور أوربان. وعلاقاتها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملتبسة، وكانت حتى قبيل حربه على أوكرانيا لا تتردّد في الثناء على سياسته وتتودّد القرب منه. وعلى المستوى العربي، يكفي أن نعرف أنّها تضع من بين أولويات سياساتها الخارجية إعادة علاقات بلادها مع نظام بشار الأسد.

ولا يجب أن ننظر إلى موقفها الحالي من القضية الفلسطينية بتبنّيها حلّ الدولتين ميزة لصالحها، لأنّ هذا هو الموقف التقليدي للدبلوماسية الفرنسية، لكن ما لا يمكن توقعه أن ترتمي في أحضان اللوبي الصهيوني الفرنسي لإنفاذ سياستها المعادية للاتحاد الأوروبي ولحلف الناتو، ولإيجاد حلفاء أقوياء لبلادها خارج الاتحاد الأوروبي.

في بداية انطلاقها، كانت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الحالية فاترة، وطوال الحملة الانتخابية التي سبقت الجولة الأولى غابت النقاشات السياسية العميقة التي تميّز عادة الاستحقاقات الفرنسية، واعتقد كثيرون أنّ الفرنسيين سيعزفون بكثرة عن المشاركة في الاقتراع.

لكن الآن، ومع الجولة الثانية والحاسمة، تتخذ المنافسة شكلاً محتدماً لم يسبق أن عاشته استحقاقات فرنسية من قبل، إلى درجة أنّ مجلة فرنسية وضعت عنواناً مثيراً لغلافها عن مواجهة بين فرنسا وفرنسا، في إشارة إلى حدّة الاصطفاف داخل المجتمع الفرنسي الذي أوجده هذا الخيار الصعب ما بين التصويت لمرشّحة يمينية متطرّفة ومعاقبة رئيس يميني يتبنّى سياسة ليبرالية متوحّشة.

والخاسر، في نهاية المطاف، في هذا التنافس القاتل، هو الديمقراطية نفسها التي تمرّ بواحدة من أصعب اختباراتها، فكلّ صوت في هذه المعركة المحفوفة بالمخاطر سيكون حاسماً في الدفاع عن الديمقراطية التي يعتبر كلّ واحد، حسب قناعاته، أنّه ينافح عنها، وهنا خطورة الانتخابات الرئاسية الفرنسية الحالية وحساسيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!