fbpx
رأي

في الطريق إلى الجزائر

عريب الرنتاوي

بدأت “طلائع” الفصائل الفلسطينية بالتوافد إلى الجزائر العاصمة، تلبية لدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أخذ على عاتقه مهمة إنجاز مصالحة فلسطينية، تسبق التئام القمة العربية في آذار المقبل، إذ بدأ ”الوسيط الجزائري“ إجراء سلسلة لقاءات منفردة مع ممثلي الفصائل، مع ترك الباب ”مواربًا“ للقاءات فلسطينية ثنائية وثلاثية.

الجزائر تحرص أن تظهر كمن نجح في جمع شمل العرب والفلسطينيين، عشية انعقاد القمة الـ31 على أرضها، وهذا من حقها على أية حال، لا سيما أن سنوات ثلاثا مضت على آخر قمة عربية عقدت على مقربة منها، في تونس، لكن النوايا الحسنة وحدها لا تصمد طويلاً أمام قوة الأمر الواقع الصلبة، ومهمة الجزائر على المسارين، الفلسطيني والعربي، تبدو محفوفة بالتحديات والعقبات الجسام.

فلسطينياً، لا أحسب أن للجزائر “دالّة” قوية، على أيّ من طرفي الانقسام الفلسطيني، صحيح أن الرئيس تبون استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحفاوة بالغة، وقدّم دعماً بقيمة مئة مليون دولار للسلطة، في خطوة نادرة بهذا الحجم، لكن الفلسطينيين يدركون أن هذه الحماسة الجزائرية الفائضة، إنما تندرج في بعض أوجهها، في سياق النزاع الجزائري – المغربي الذي تفاقم مؤخراً، ومحاولة الجزائر تظهير صورة لنفسها كداعم قوي للشعب الفلسطيني، مقابل صورة لمغرب ينخرط بنشاط في مسار تطبيعي مع إسرائيل.

والحقيقة أنه ليس في أفق الفصائل الفلسطينية المقصودة بالدعوة الجزائرية، ما يشي بأن حظ الجولة المقبلة من الحوار الفلسطيني (إن التأمت)، ومصير الوساطة الجزائرية، سيختلف عن حظوظ جولات سابقة، ووساطات قامت بها أطراف عربية ودولية، أكثر انخراطاً في ثنايا الشأن الفلسطيني الداخلي، فلم تبق دولة مؤثرة واحدة في الإقليم، إلا وجربت حظها مع الفلسطينيين: السعودية (اتفاق مكة)، قطر (اتفاق الدوحة)، مصر (اتفاقات القاهرة المتكررة)، قبل أن تدخل روسيا وتركيا وحتى كازاخستان على الخط.

فالانقسام في جوهره، تخطى افتراق البرامج والرؤى وأدوات الكفاح، وبات متعلقاً أكثر، بمنظومة المصالح المتضاربة التي نمت على جذع الانقسام المديد والمرير، ودفعت طرفيه للتعامل أحدهما مع الآخر، وفقاً لـ“المعادلة الصفرية، وليس انطلاقاً من قاعدة ”رابح – رابح“ التوافقية، وهو انقسام يتغذى بجملة من العوامل الخارجية الضاغطة، من بينها أولاً، مصلحة إسرائيل في إدامته، وثانياً، صراع المحاور الإقليمية على ”الورقة الفلسطينية“، والذي لم يضع أوزاره بعد، برغم حالة ”السيولة“ التي يشهدها الإقليم منذ عام على أقل تقدير.

أما عربياً، فإن المشهد لا يبدو أقل تعقيداً، من نظيره الفلسطيني، فالجزائر، الدولة الحاضنة للقمة، والمتقدمة بدور ”الوسيط“، تنخرط في نزاع مرير مع المغرب، تفاقم مؤخراً، وبلغ حداً غير مسبوق من القطع والقطيعة، ولا أدري كيف سيؤثر هذا الملف، على مجريات القمة وجدول أعمالها، وطبيعة المشاركين فيها ومستويات المشاركة.

والمشهد العربي، شهد تصعيداً لافتاً في الآونة الأخيرة، قد يلقي بظلال كثيفة وكئيبة، على مشروع الرئيس الجزائري، المدعوم من عدد من العواصم العربية، بإعادة سوريا إلى الجامعة، ولقد رأينا موقفاً سعودياً رافضاً بشدة لهذه الدعوة، وللتطبيع مع “النظام الذي قتل شعبه”.

في أحسن السيناريوهات وأكثرها تفاؤلاً، قد تلتئم اجتماعات التقاط الصور فلسطينيًّا، وقد تتشابك الأذرع والقبضات لغاية الصورة فقط، وقد نشهد حراكًا دبلوماسيًّا يستهدف ترطيب الأجواء عشية القمة، لكنّ وفاقًا عربيًّا حقيقيًّا، يبدو مستبعدًا، ومصالحة وطنية فلسطينية حقيقية، لا تبدو في متناول اليد، دون إغفال السيناريو الأكثر بؤسًا بالطبع: عدم حدوث أيّ من هذا، كإرجاء القمة العربية وطي صفحة المصالحة الفلسطينية حتى إشعار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!