fbpx
رأي

وصفة بن كيران للخروج من الأزمة

بلال التليدي

قبل أسبوع تحدث عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في لقاء داخلي جمعه بمسؤولي حزبه في الأقاليم والجهات، وقدم وصفته للخروج بالحزب من الورطة.

ابن كيران رجل سياسي، وله خبرة كبيرة بتنظيمه، ويدرك أن الانقسام الداخلي الذي تعرض له الحزب عميق، وأن الصدمة الانتخابية كانت أعمق، وأن مهمة الخروج منها، ليست فقط صعبة، بل قد تكون مستحيلة. ابن كيران ليس رجلا أكاديميا، يرتب أفكاره بالمقدمات ثم النتائج، لكن وضوح أفكاره المتناثرة، تسمح باستخلاص عناصر هذه الوصفة وفق نسق مرتب.

البدء عنده من تقييم الهزيمة الانتخابية، والمجادلة في أسبابها. منذ البدء يسد ابن كيران الطريق على فكرة التآمر على الحزب وإسقاطه انتخابيا، ولو أنه يقبل بعض مفرداتها.

حجته أن القول بتزوير الانتخابات ضد الحزب، كان سيكون له معنى لو كان الاحتجاج في وقته، أما خارج الوقت، أو كتابة بلاغ ناعم يتحدث عن «نتائج غير مفهومة» فهذا يعني أن الحزب نفسه لم تكن لديه الجرأة في التعبير عن تعرضه لهذه المؤامرة.

يطرح ابن كيران هذه الفكرة، ويمضي للمستقبل، بتقييم عملي، فجهات في الدولة -حسبه- كان هذا دائما سلوكها ضد الحزب، لكنها لم تستطع أن تهزم الحزب في انتخابات 2015 و2016.

يحاول ابن كيران ترسيخ فكرة تقييمية مهمة، هو ضرورة النظر إلى المشكلة في الداخل، أما ما يفعله الآخرون، فقد فعلوه في كل المحطات، لكنهم لم ينجحوا إلا في اللحظة التي انقلب فيها الحزب على قيمه ومبادئه.

ابن كيران لا يريد أن يذهب إلى الحوار الداخلي لانتاج جواب جماعي عن أزمة الحزب الداخلية، فعنده هذا الحوار سيكون منصة للاختلاف والانقسام على الماضي (خط الحزب السياسي زمن العثماني) وأن ما سيجمع الحزب هو المواقف من الأحداث التي سيواجهها.

معارضوه داخل الحزب، يدفعون بحجة مقابلة، فالرجل الذي يدعو إلى طي صفحة الماضي، ما يفتأ يستعيدها كل مرة، ويذكرها للاعتبار، والوقوف على الأخطاء القاتلة.

التباس كبير لا يكاد يفهمه معارضوه داخل الحزب، فهم يعتقدون أن أمام الحزب أسئلة نظرية وسياسية، تحتاج إلى اجتهاد سياسي جديد، وأن مواقع المسؤولية، أو للدقة، منطق الدولة، يفرض أن يتحرر الحزب من المفاهيم التقليدية التي فرضها الانتماء إلى الحركة الإسلامية.

ابن كيران رجل براغماتي، هو يؤمن باختلاف المواقع وحاجة كل موقع لنظر جديد، ويؤمن إلى النخاع باستقلال الحركة الإسلامية المغربية عن «الإخوان المسلمين» بل طالما وجه انتقادات قاسية لهم، لكنه لا يريد أن يركب الطريق البطيء، الذي يتداعى إلى نقاش لانتاج جواب جماعي، لأنه يعلم أن التركيبة السوسيولوجية لتنظيمه، لن تسمح بتحقق هذه العملية الحالمة، ولذلك يختار الطريق السريع، أي مسح الصورة السلبية التي تعلقت بالحزب، من خلال إحداث المسافة بين تجربته الحكومية وتجربة العثماني، ثم اتهام قيادة الحزب السابقة، بأنها أدخلت الحزب في موجة من التنازلات التي مست قيمه ومبادئه.

إحداث القطيعة مع القيادة السابقة، ومع مواقفها، بالنسبة إلى ابن كيران خيار عملي يضمن النتائج بشكل سريع، ويستعيد الحزب قواعده التقليدية، ويفتح قوسا جديدا أو أملا لاستعادة المبادرة، ولذلك كان صارما في رفض اقتراح أي قيادي من القيادات الوزارية في الأمانة العامة.

لكن هذه القطيعة، لا تمضي بدون كلفة، فالتركيبة السوسيولوجية للحزب غير متجانسة، ولا تزال هناك قواعد محافظة، ترى في تنبيه ابن كيران على أخطاء القيادة السابقة، خطرا على وحدة الحزب.

للجواب عن قلق هذه الفئة، يطرح ابن كيران فكرة مقارنة تتعلق بالرصيد الذي تنطلق منه الحركات الإيديولوجية التي تعرضت لأزمات، وأن الحركة الإسلامية، ليست مثل اليسار الذي ذبلت إيديولوجيته، وأصبح الرهان على تجديدها لإعادة تمتين البيت الداخلي مجرد رهان خاسر، فما يميز الحركة الإسلامية، أنها تنطلق من قاعدة مرجعية متجددة، وهي خزان ملهم للقيم والمبادئ والمواقف.

هذه الفئة المحافظة كانت في السابق تعتبر أزمة الحزب قيمية (تقاذف السب والشتم بين أعضاء الحزب في الفضاء الأزرق) وابن كيران، يرى اليوم أن أزمة الحزب قيمية أيضا، فالحزب ارتبكت بوصلته، وأصبح يتصرف من تلقاء المواقع التي اكتسبها، والحاجة للحفاظ عليها. ولذلك يلتقي الطرفان في أن الجواب تربوي قيمي.

إقحام البعد التربوي في تكوين أعضاء الحزب ومتعاطفيه يطرح إشكالا كبيرا، فالحزب يحمل هوية سياسية، وليست دعوية، ثم هو مضى في خيار التمايز مع حركة التوحيد والإصلاح، سواء على مستوى القيادات أو الوظائف أو الخطاب أو الآليات، فأي موقع ستحتله التربية؟ وبأية أداة؟

يسابق ابن كيران للجواب، فالقصد من التربية، ليس اعتماد برنامج تربوي على شاكلة ما تفعله الحركات الدعوية، وإنما هو محاولة استحضار القيم الإسلامية التي تركز على خدمة الناس والقرب منهم، والتعفف عن المال العام، والزهد في المسؤوليات وتعزيز قيم الشفافية والنزاهة والاستقامة بمعناها السياسي.

يرفض ابن كيران بشكل قاطع أن يفتح الباب لحركة التوحيد والإصلاح لتقوم بدور «المناولة التربوية» وتؤطر أعضاء الحزب ومتعاطفيه، ويرى أن الحزب يمتلك موارده البشرية القادرة على استقلال بهذه المهمة.

هذه وصفة ابن كيران للداخل الحزبي، أما بالنسبة إلى وصفة ابن كيران للخارج، أي النظر للدولة والحكومة، فقد سار كلامه منذ توليه الأمانة العامة للحزب على نسق منسجم. غير أن الجديد في الموضوع، هو جوابه عن سؤال موقف الدولة من الحزب، وما إذا كانت الدولة لا تريده؟

جواب ابن كيران ذكي، يسد به الباب على إمكان تسرب الفكر الراديكالي في الحزب، فالعلاقة مع الملكية مبدئية وعقدية، وليست سياسية، ووجود جهات في الدولة تعادي الحزب في نظره ليس جديدا، بل إن أي تقدم في الإصلاح أو الديمقراطية لم يحصل بدون تدافع مع هذه القوى.

الجديد في خطاب ابن كيران لأعضاء حزبه هو دعوتهم لعدم الانشغال بموقف الدولة من الحزب، والانكباب على الدور الذي ينبغي أن يقوم به الحزب، والثقافة التي ينبغي أن يتبناها، والقيم التي ينبغي أن يتمثلها والدور الإصلاحي الذي ينبغي أن يقوم به.

ابن كيران كان واضحا منذ البدء، فقد صرح أنه لا يؤمن في هذه اللحظة بالخروج لممارسة معارضة ميكانيكية للحكومة، فالمدة الزمنية الفاصلة عن الاستحقاقات الانتخابية لا تزال طويلة، وأزمة الحزب الداخلية تحتاج لجواب جوهري، ولذلك، فما يهمه في هذه المرحلة، هو بناء الذات.

ما يستشكل في كلام ابن كيران هو أنه سبق أن صرح بأن المواقف هي التي ستجمع أعضاء الحزب وتوحده، لكنه في المقابل، يرى أنه لحد الآن لم يظهر له ما يعارضه، وأن نقطة وحيدة هي تحديد سن 30 سنة بالنسبة للمرشحين لاختيار الالتحاق بأطر الأكاديميات، هي التي كانت تستدعي الوقوف بقوة ضد الحكومة.

ابن كيران الذي جلس في بيته خمس سنوات بعد إعفائه، وانتظر خمس سنوات للعودة إلى الأمانة العامة للحزب، يدرك أن الزمن مهم في السياسة، وأن الخروج الجديد إليها يستدعي بناء آخر (بناء جديد للحزب) وممارسة معارضة من نوع آخر، وربما يدرك أن هذه الحكومة لن تتعدى زمنها البيولوجي، وأن الحاجة إلى ملء الفراغ يستدعي الاستثمار في تقديم نموذج جديد كل الجدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!