التكوين بالزمن الميسر بالجامعة المغربية بين الأسس التشريعية وأزمة الجامعة
د. مصطفى الغاشي
أصبح موضوع التكوين بالزمن الميسر يحظى في الآونة الاخيرة بأهمية خاصة، والسبب في ذلك أن «التكوين الأساسي في التوقيت/الزمن الميسر» انتقل من منطقة قانونية ملتبسة إلى تأطير تشريعي صريح بموجب القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، المنشور في الجريدة الرسمية في فبراير 2026. وتنص المادة 81، بحسب النص الرسمي، على إمكانية تنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر، لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وغيرهما.
وعلى هذا الأساس، يجب ان يعالج الموضوع باعتباره اشكالية قانونية–تربوية–سوسيولوجية لا مجرد عرض لنظام دراسي، لأن «الزمن الميسر» يكشف في العمق عن أزمة أوسع تتعلق بوظيفة الجامعة العمومية، وتمويلها، ومبدأ تكافؤ الفرص، وعلاقة الجامعة بسوق الشغل وبالموظف والأجير.
ان التكوين بالزمن الميسر يمثل أحد التحولات اللافتة في بنية التعليم العالي المغربي، باعتباره آلية تستهدف تمكين العاملين والموظفين والأجراء وغيرهم من متابعة تكوينات جامعية دون الانقطاع عن نشاطهم المهني. غير أن هذا النمط من التكوين ظل، لسنوات، يتحرك في منطقة قانونية ومؤسساتية تتداخل فيها مفاهيم التكوين الأساسي، والتكوين المستمر، والتكوين المؤدى عنه، والاستقلالية المالية للجامعة. لذلك اكتسب النقاش بعداً جديداً مع صدور القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي في فبراير 2026، والذي نص صراحة على إمكانية تنظيم تكوينات أساسية مؤدى عنها في توقيت ميسر.
تسعى هذه المقاربة إلى تحليل الأسس التشريعية للتكوين بالزمن الميسر، وتفكيك علاقته بالتكوين المستمر، ورصد واقع تطبيقه داخل الجامعة المغربية، مع الوقوف عند الإشكالات المرتبطة بالرسوم، والجودة، وتكافؤ الفرص، والحكامة، والقدرة الاستيعابية للجامعة. كما تناقش ما إذا كان الزمن الميسر يمثل بالفعل مدخلاً لاصلاح الجامعة وجعلها جامعة مدى الحياة، أم أنه قد يتحول، في غياب حكامة صارمة، إلى آلية لتسليع جزء من التعليم العالي العمومي.
في المقدمة، لم تعد الجامعة المعاصرة فضاءً مخصصاً حصراً للطالب الذي يلجها مباشرة بعد الحصول على شهادة البكالوريا ثم يغادرها بعد الحصول على الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه. فالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمهنية جعلت المعرفة نفسها قابلة للتقادم، وأصبح الفرد مطالباً بإعادة تأهيل نفسه باستمرار.
ومن هنا برز مفهوم التعلم مدى الحياة باعتباره أحد المبادئ المركزية في سياسات التعليم العالي الحديثة. وفي هذا السياق، يمكن فهم التكوين بالزمن الميسر داخل الجامعة المغربية باعتباره محاولة للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن للجامعة أن تستوعب الشخص الذي يعمل، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يتعلم ويطور مؤهلاته؟ الا أن السؤال البيداغوجي سرعان ما يتحول إلى سؤال قانوني ومالي ومؤسساتي. هل يتعلق الأمر بتكوين أساسي أم بتكوين مستمر؟ وهل الشهادة المحصل عليها هي نفسها الشهادة التي يحصل عليها الطالب في التوقيت العادي؟ وهل فرض رسوم على المستفيدين مشروع؟ وهل يمثل الأداء مقابلاً لخدمة إضافية أم رسماً جامعياً جديداً؟ ثم من يتحمل مسؤولية تحديد قيمته؟ وهل يؤدي التوقيت الميسر إلى توسيع قاعدة الولوج إلى الجامعة أم إلى خلق جامعة ذات مسارين: جامعة مجانية أو شبه مجانية للمتفرغين، وجامعة مؤدى عنها للموظفين والأجراء؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية فقط، خصوصاً بعد النزاعات القضائية التي عرفتها بعض الجامعات المغربية خلال سنة 2025 و2026. ففي قضية جامعة محمد الأول بوجدة، مثلاً، صدر حكم ابتدائي في دجنبر 2025 بشأن رسوم التسجيل في الدكتوراه بالتكوين الأساسي في الزمن الميسر، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الإدارية بفاس الحكم الابتدائي في قرارها عدد 43 بتاريخ 31 مارس 2026. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الظاهرة باعتبارها مرآة لأزمة الجامعة المغربية أكثر من كونها مجرد صيغة زمنية للتدريس.
أولا، الإطار النظري والمغاهيمي للمشكل،
1- ما المقصود بالتكوين بالزمن الميسر؟، يمكن تعريفه إجرائياً بأنه: نمط من التكوين الجامعي يتم تنظيمه وفق جداول زمنية تراعي الوضعية المهنية للموظفين والأجراء والعاملين، بما يسمح لهم بمتابعة الدراسة خارج أوقات العمل أو وفق تنظيم زمني أكثر مرونة من النظام الجامعي العادي. وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
مفهوم الفئة المستهدفة طبيعة التكوين الهدف،
– التوقيت العادي للطلبة المتفرغين وهو تكوين أساسي بغض الحصول على شهادة جامعية.
– التوقيت الميسر الموظفين والأجراء وغيرهم، ويمكن أن يكون تكويناً أساسياً يجمع بين العمل والدراسة.
– التكوين المستمر الخاص بالمستخدمين وغير المستخدمين، وهو تأهيل او تطوير المهارات وتحديث الكفاءات.
ان هذا التمييز مهم جداً، لأن الخلط بين التكوين المستمر والتكوين الأساسي بالتوقيت الميسر كان أحد مصادر الإشكال القانوني الذي ظهر في المنازعات الأخيرة. وقد أكدت الأدبيات القانونية التي تناولت قرار محكمة الاستئناف الإدارية بفاس وجود هذا التداخل في المرحلة السابقة على صدور القانون 59.24.
ثانياً: الأساس التشريعي للتكوين الميسر،
1. القانون رقم 01.00، لقد شكل القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، الصادر سنة 2000، الإطار الأساسي الذي حكم الجامعة المغربية لعقود. وقد جعل القانون من التكوين المستمر إحدى وظائف الجامعة، كما أتاح لها موارد ذاتية مرتبطة بمجالات معينة، وهو ما شكل أساساً قانونياً مهماً لتطوير التكوينات الموجهة إلى الفئات المهنية.
وتؤكد جامعات مغربية، من بينها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن التكوين المستمر يعد من المهام الأساسية للجامعة إلى جانب التكوين الأساسي والبحث العلمي. لكن المشكلة ظهرت عندما بدأ التوقيت الميسر يُستخدم في تكوينات تؤدي إلى شهادات أكاديمية نظامية.
وهنا برز السؤال: هل يمكن اعتبار التوقيت الميسر مجرد شكل زمني للتكوين الأساسي، أم أنه نوع من التكوين المستمر؟ وهذا ليس تفصيلاً تقنياً؛ بل له آثارا مباشرة على الرسوم والولوج والشهادة والوضع القانوني للطالب…الخ.
2- القانون رقم 59.24 والتحول التشريعي، يشكل القانون رقم 59.24 محطة مفصلية في هذا المسار. فقد صدر الظهير الشريف رقم 1.26.04 بتنفيذ القانون بتاريخ 11 فبراير 2026، ونشر في الجريدة الرسمية عدد 7485. وتكمن الأهمية الأساسية بالنسبة لموضوعنا في المادة 81، التي أصبحت تؤطر بشكل صريح إمكانية تنظيم: «تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر والتكوين المستمر». كما تتيح تنظيم التكوينات الأساسية المعتمدة في إطار التوقيت الميسر لفائدة العاملين في القطاعين العام والخاص وغيرهم من الراغبين في ذلك. وهذا التطور التشريعي مهم جداً، لأنه ينتقل بالنقاش: من سؤال: هل الجامعة تملك أصلاً صلاحية تنظيم تكوين أساسي مؤدى عنه في توقيت ميسر؟ إلى سؤال أكثر تدقيقاً: كيف ينبغي تنظيم هذا الحق حتى لا يتحول إلى مصدر لعدم المساواة أو إلى آلية تجارية داخل الجامعة العمومية؟
ثالثاً: من الفراغ القانوني إلى الشرعية التشريعية،
تكشف التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تكن في فكرة الزمن الميسر في حد ذاتها، وإنما في حدود السلطة المالية والتنظيمية للجامعة. وقد ظهرت المسألة بوضوح في قضية جامعة محمد الأول بوجدة.
فالحكم الابتدائي الإداري اعتبر أن فرض رسوم سنوية على الطلبة الموظفين والأجراء يحتاج إلى سند قانوني، وأن البرلمان هو الجهة المختصة بإحداث التكليفات المالية العامة. بينما ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بفاس في قرارها عدد 43 بتاريخ 31 مارس 2026 إلى إقرار مشروعية القرار محل النزاع. غير أن الأهم هو أن هذه المنازعة القضائية تزامنت مع صدور القانون 59.24. وبالتالي، أصبح لدينا تمييز ضروري بين مرحلتين:
– المرحلة الأولى: قبل القانون 59.24، حيث كان النقاش يتمحور حول: المادة 18 من القانون 01.00؛
(موارد الجامعة الذاتية؛ التكوين المستمر؛ حدود اختصاص مجالس الجامعات، شرعية الرسوم؛ مبدأ مجانية التعليم؛ ومبدأ المساواة).
المرحلة الثانية: بعد القانون 59.24، حيث أصبح المشرع نفسه ينص صراحة على: التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر؛ إمكانية للتكوين مؤدى عنه؛ الفئات المستهدفة، الموظفين والاجراء؛ وإدراجه ضمن العرض التكويني الجامعي. وهذا يمثل تحولاً تشريعياً مهماً.
رابعا: لماذا ظهر الزمن الميسر أصلاً؟ لا ينبغي النظر إلى الظاهرة باعتبارها قراراً إدارياً فقط، بل، نتيجة لتحولات اجتماعية ومهنية عميقة منها:
1. ارتفاع الطلب على الشهادات، حيث لم تعد الشهادة الجامعية مرحلة نهائية في المسار المهني، فالموظف الذي حصل على الإجازة قبل عشرين عاماً قد يحتاج اليوم إلى: ماستر؛ دكتوراه؛ شهادة تخصصية؛ إعادة تأهيل رقمي؛ تعلم لغة؛ اكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي؛وتطوير مهارات الإدارة. ومن هنا أصبحت الجامعة مطالبة بأن تكون جامعة مفتوحة على المجتمع المهني.
2. التحول في مفهوم الوظيفة، حيث ان الموظف الحديث لم يعد موظفاً يؤدي وظيفة واحدة طوال حياته، بل أصبحت الحياة المهنية سلسلة من:
التكوين، العمل، إعادة التكوين، الترقي، تغيير الوظيفة وإعادة التأهيل. وبالتالي، فإن الجامعة التي تغلق أبوابها أمام العاملين خارج التوقيت العادي تصبح منفصلة عن التحولات المهنية.
خامساً: الزمن الميسر وأزمة الجامعة المغربية، وهنا يكمن جوهر المقاربة. فالزمن الميسر قد يكون حلاً لأزمة، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح انعكاساً لها.
1. أزمة التمويل، لان الجامعة المغربية العمومية تواجه ضغوطاً مالية متزايدة: ارتفاع أعداد الطلبة؛ ارتفاع كلفة البنيات التحتية؛ الحاجة إلى التجهيزات الرقمية؛ الحاجة إلى مختبرات متطورة؛ ارتفاع كلفة البحث العلمي، الحاجة إلى استقطاب الكفاءات؛ وكذلك تطوير التكوينات المهنية. ومن هنا يظهر التكوين المؤدى عنه باعتباره أحد مصادر الموارد الذاتية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح: تمويل الجامعة مبرراً للتوسع في الرسوم، فالجامعة ليست مؤسسة تجارية.
سادساً: هل الزمن الميسر يهدد مجانية التعليم؟ هذا السؤال يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فليس من الصحيح القول إن كل تكوين مؤدى عنه يمثل بالضرورة خرقاً لمبدأ مجانية التعليم. كما ليس من الصحيح القول إن الاستقلالية المالية للجامعة تمنحها حرية مطلقة في فرض الرسوم. فالمسألة تحتاج إلى التمييز بين:
أ. التكوين الأساسي العادي، وهو جوهر المرفق العمومي الجامعي.
ب. التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر، حيث أصبح القانون 59.24 يؤطر إمكانية تنظيمه بمقابل.
ج. التكوين المستمر، وهو بطبيعته أكثر ارتباطاً بالموارد الذاتية والخدمات التكوينية الموجهة إلى الفئات المهنية.
إذن، المشكلة ليست في وجود المقابل المالي وحده، بل في شروطه، وقيمته، ومبرراته، وكيفية تحديده، والضمانات الاجتماعية المصاحبة له.
سابعا، التحدي الأكبر: المساواة بين الطلبة، فقد يؤدي الزمن الميسر إلى خلق فئة جديدة داخل الجامعة بين:
طالب يعمل، يدرس، يدفع. وقد يكون: موظفاً بسيطاً؛
أستاذاً؛ ممرضاً؛ تقنياً؛ موظفاً جماعياً؛ او أجيراً في القطاع الخاص. ولا يمكن افتراض أن كل هؤلاء يمتلكون القدرة المالية نفسها. لذلك فإن العدالة الجامعية تقتضي التفكير في: منح جزئية؛ إعفاءات اجتماعية؛ تقسيط الرسوم؛ منح للموظفين ذوي الدخل المحدود؛ سقف معقول للرسوم؛ ودعم المؤسسات المشغلة لموظفيها الراغبين في الدراسة. وهنا يمكن أن تتحول الجامعة من مجرد مقدم للتكوين إلى شريك في التنمية المهنية.
ثامناً: الزمن الميسر والجامعة مدى الحياة، حيث إذا أحسن المغرب استثمار هذا النظام، فيمكن أن يشكل الزمن الميسر مدخلاً حقيقياً إلى: «جامعة مدى الحياة»
وهي الجامعة التي لا يدخلها الإنسان في سن 18 عاماً ثم يغادرها نهائياً، وإنما يعود إليها في مراحل مختلفة من حياته… وهنا يصبح الزمن الميسر جزءاً من فلسفة جديدة للجامعة.
تاسعاً: «تجاريّة الجامعة»، حيث إذا لم تكن هناك حكامة قوية، يمكن أن يتحول الزمن الميسر إلى: جامعة مسائية مؤدى عنها، وهذا سيناريو خطير. فبدلاً من أن يكون النظام وسيلة لتوسيع الحق في التعليم، يصبح: وسيلة لتعويض ضعف التمويل العمومي. وهنا تنتقل الجامعة تدريجياً من منطق: الحق في التعليم، إلى منطق: القدرة على الدفع مقابل التعليم. وهذا يتعارض مع فلسفة الجامعة العمومية إذا تحول الى الأصل وليس الاستثناء.
عاشرا: مشكلة الجودة، هناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية عن الرسوم، يتلخص في، هل يستطيع الأستاذ نفسه، في الظروف نفسها، أن يضمن الجودة في: التكوين العادي؛
التكوين الميسر؛ التكوين المستمر؛ البحث العلمي؛ التأطير؛ والدكتوراه؟ وهنا تظهر مشكلة الضغط على الموارد البشرية. فاذا فتحت الجامعة عشرات المسالك بالتوقيت الميسر دون: أساتذة إضافيين؛ قاعات إضافية؛
مختبرات؛ موارد رقمية؛ إدارة جامعية فعالة؛ وميزانية واضحة؛ فإن النتيجة قد تكون: زيادة عدد الطلبة دون زيادة موازية في الجودة.
الحادي عشر: الزمن الميسر والبحث العلمي، ففي سلك الدكتوراه تحديداً، ينبغي الحذر من تحويل الزمن الميسر إلى مجرد نظام إداري لاستقبال الموظفين، فالدكتوراه ليست مجرد حضور في قاعة الدرس، إنها بحث أصيل؛
تأطير علمي؛ مختبر؛ نشر علمي؛ ندوات؛ مؤتمرات اشتغال بالمصادر؛ وإنتاج معرفة.
ولهذا فإن إدماج الموظفين في الدكتوراه يمثل فرصة مهمة للجامعة، إذا تم اختيار المرشحين وفق معايير علمية صارمة. أما إذا تحول إلى سوق للشهادات، فسيكون الضرر مضاعفاً: ضرر على الطالب، ضرر على الجامعة، وضرر على البحث العلمي المغربي.
الثاني عشر: العلاقة بين الزمن الميسر وسوق الشغل، فمن أهم مزايا النظام إمكانية ربط التكوين بالحاجات الفعلية للإدارة والاقتصاد. فمثلاً يمكن للجامعة أن تطور تكوينات ميسرة في: الإدارة الرقمية؛ الذكاء الاصطناعي؛
الأمن السيبراني؛ التدبير العمومي؛ الحكامة الترابية؛
المالية العمومية؛ الرقمنة؛ الأرشيف؛ تدبير البيانات؛الصحة؛ الهندسة؛ البيئة؛ والتنمية الترابية…الخ. وهذا يسمح بتحويل الجامعة إلى مختبر لإعادة تأهيل الرأسمال البشري الوطني.
الثالث عشر: الزمن الميسر والجهوية، حيث يمكن أن يكون لهذا النظام أثر مهم في تنزيل الجهوية المتقدمة.
فبدل أن يضطر الموظف العامل في جهة معينة إلى الانتقال إلى الرباط أو الدار البيضاء أو فاس لمتابعة تكوين معين، يمكن للجامعات الجهوية أن تقدم: تكويناً ميسراً مرتبطاً بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية للجهة.
مثلاً:
– جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، تكوينات في: اللوجستيك؛ الموانئ؛ التجارة الدولية؛ السياحة؛ العلاقات المتوسطية؛ الصناعات؛ الرقمنة.
– جهة فاس–مكناس، التراث؛ السياحة الثقافية؛ الإدارة الترابية؛ الفلاحة؛ الصناعات الغذائية؛ والاقتصاد الاجتماعي.
– جهة سوس–ماسة، الاقتصاد البحري؛ الفلاحة؛ السياحة؛ الماء؛ الطاقة المتجددة. وهكذا يصبح الزمن الميسر أداة من أدوات الجامعة الجهوية.
الرابع عشر: نحو «عقد جامعي جديد»، اننا نعتقد أن النقاش حول الزمن الميسر يقودنا إلى سؤال أكبر وهو: أي جامعة نريد للمغرب؟ هل نريد جامعة لتخريج الطلبة فقط؟ أم جامعة لإنتاج المعرفة؛ وإعادة تأهيل الموظفين؛
تكوين المهنيين؛ دعم الإدارة؛ خدمة الاقتصاد؛ دعم التنمية الجهوية؛ وإنتاج الابتكار؟ فإذا كان الخيار الثاني هو المستقبل، فإن الزمن الميسر يصبح جزءاً من عقد جامعي جديد. لكن هذا العقد يجب أن يقوم على معادلة دقيقة: فالحق في التعليم يجب ان يقرن بجودة التكوين، العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، الاستقلالية الجامعية. ولا يجوز التضحية بأحد هذه العناصر لحساب الآخر.
السادس عشر: ماذا عن المستقبل؟ ان مستقبل الزمن الميسر بالجامعة المغربية خلال الفترة الممتدة بين 2026–2030، محكوم بثلاث سيناريوهات:
الأول: التوسع الكمي، حيث تتوسع الجامعات في فتح التكوينات الميسرة بهدف زيادة الموارد الذاتية. والنتيجة المحتملة لذلك، زيادة الطلبة، زيادة الموارد، لكن مع خطر انخفاض الجودة.
الثاني: الجامعة التجارية، حيث يصبح التكوين الميسر مصدراً أساسياً لتمويل بعض المؤسسات، والنتيجة الحتمية، توسع كبير في الرسوم، وتزايد الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى التكوين. وهذا السيناريو هو الأخطر.
الثالث: الجامعة مدى الحياة، حيث يتم اعتماد الزمن الميسر ضمن استراتيجية وطنية متكاملة للتعلم مدى الحياة. حيث ويتم ربطه بـ: سوق الشغل؛ الإدارة؛ المقاولات؛ الجهات؛ التحول الرقمي؛ البحث العلمي؛وإعادة تأهيل الموظفين. وهذا هو السيناريو الأكثر انسجاماً مع حاجيات المغرب.
في الختام، يكشف التكوين بالزمن الميسر عن تحول أعمق من مجرد تغيير في ساعات الدراسة. إنه جزء من التحول الذي تعرفه الجامعة المغربية من مؤسسة تركز على التكوين الأولي إلى مؤسسة مطالبة بالتعامل مع مجتمع سريع التغير يحتاج إلى التعلم وإعادة التعلم باستمرار.
وقد شكل القانون رقم 59.24 محطة حاسمة في هذا المسار، خصوصاً من خلال إقراره الصريح بإمكانية تنظيم تكوينات أساسية مؤدى عنها في توقيت ميسر.
غير أن إضفاء الشرعية على النظام لا يعني أن كل ممارسة داخله سليمة أو عادلة أو ناجحة. فالشرعية القانونية هي نقطة البداية فقط. أما التحدي الحقيقي فهو: كيف نجعل الزمن الميسر وسيلة لتوسيع الجامعة، لا وسيلة لتضييق الحق في التعليم؟ وكيف نجعله: أداة للتعلم مدى الحياة، لا سوقاً جديدة للشهادات؟ وكيف نحافظ على: جودة الشهادة وقيمتها العلمية، دون أن يصبح الموظف والأجير مجرد مصدر إضافي لتمويل الجامعة؟
ومن ثم، فإن مستقبل التكوين بالزمن الميسر ينبغي أن يبنى على قاعدة أساسية مفادها، الجامعة العمومية لا ينبغي أن تختار بين الحق في التعليم والاستدامة المالية؛ بل ينبغي أن تبحث عن نموذج يجمع بينهما في إطار العدالة والجودة والحكامة.
ومن هنا وتبرز ضرورة الانتقال من «التكوين بالزمن الميسر» بوصفه ترتيبا زمنياً إلى «سياسة وطنية للتعلم مدى الحياة» يكون فيها الموظف والأجير والمهني والمواطن شريكاً في الجامعة، وليس مجرد مستفيد من خدمة مؤدى عنها.
تعليقات ( 0 )