ياسين الطالبي في البدء لم يكن الإنسان بحاجة إلى دليلٍ على الله. كان الله، ببساطة، أقرب من حبل الوريد، يُسمع في خفق القلب، ويُرى في رعشة الغصن، ويُعبد في بكاء التوحيد. لكن شيئًا ما حدث حين أراد الإنسان أن "يفهم الله" قبل أن يخشاه، أن "يشرح الله" قبل أن يسجد له، أن "يؤطّر الله" قبل أن يتطهر بين يديه. هنا، تحوّلت المعرفة من ضوء يُلقى في القلب، إلى مخطط ذهني يُفرَغ على الورق، وتحوّل الله من ربٍّ يُخاطبك في الليل، إلى "موضوع" يُختَبر في الامتحان. هكذا بدأ الانحراف العظيم، لا عن الدين، بل عن الله نفسه. ففي لحظة لم تُلتقط بما يكفي من الحذر، ظهرت مادة في الكليات تُدعى "العقيدة"، لكنها لم تكن تفتح أبواب السماء، بل تغلق نوافذ القلب، وتُدخِل الطالب في متاهة كلامية يتيه فيها بين الجوهر والعرض، بين الرؤية والجهة، بين الأزل والحدوث، بين الأشاعرة والمعتزلة، بين من قال إن الله يُرى، ومن قال إنه لا يُرى... لكن لا أحد قال له: هل رأيت الله في قلبك؟ لا أحد سأله: هل خِفتَ منه؟ هل أحببته؟ هل ذرفتَ دمعة بين يديه؟ بل قيل له: "احفظ المذاهب، لا تتجاوز المصطلح، لا تسأل خارج ما هو مقرر." وكأن الغاية من الدرس ليست أن يعرف الله، بل أن يعرف ما قيل عن الله، ومن قاله، وكيف قاله، ولماذا خالفه غيره. في هذا الدرس، يتم تحنيط الذات الإيمانية، ويُسلخ منها الانفعال، ويُدفن الشوق، ويُحقن العقل بشبكة مفاهيم تُشيِّئ الله، وتُدخله في جدول مقارنات، ثم يُقال للطالب: هذه هي العقيدة. بينما هو، من الداخل، خرج خاليًا من الله، فارغًا من الطمأنينة، بلا حُب، بلا بكاء، بلا لقاء. وما هذا إلا نتيجة لوهم فلسفي كبير: أن الله يمكن أن يُعرَف خارج الخوف، خارج الحب، خارج الفناء، خارج السجود. أن الله يمكن أن يُفهَم دون أن يُعاش. أن الله يمكن أن يُصبح "موضوعًا" بدل أن يبقى "أفقًا". من هنا، تبدأ رحلة هذا الكتاب. لا ليعيد بناء العقيدة من داخل نفس البنية التي قتلتها، بل ليقترح درسًا جديدًا… لا في المبنى، بل في المعنى. درسًا يبدأ من قلب العبد، لا من هوامش المتكلمين. ويعود فيه الله من كونه مسألة فلسفية مؤرشفة، إلى كونه نورًا يُرى، ورِقّة تُعاش، ورجاءً يُدعى. في لحظة ما قبل اللغة، في تلك المسافة الرقيقة بين الولادة والوعي، كان الإنسان يعرف الله دون أن يسأله، كان يُشير إليه بالبكاء، لا بالحجة، وكان يرى في الضوء أول اسم من أسمائه، ويسمع في صوت أمه أول تجلٍّ لرحمته، وكانت الفطرة، في عمقها البريء، تقول "يا الله" قبل أن تقول "من الله؟"، وتخافه بارتجافة طينية عتيقة قبل أن تُركِّب عليه أنظمة المفاهيم وتُخضعه لمطارق الجدل. في هذه اللحظة، لم يكن هناك أشاعرة ولا معتزلة ولا سلفية ولا دليل حدوث ولا إمكان ولا رؤية ولا جهة ولا تأويل ولا تفويض، بل كان هناك قلب صغير، خائف من الموت، خاشع من الفقد، مدهوش من الوجود، وكان الله ليس "مفهومًا" يعرض في الدروس، بل ظلًّا مهيبًا يسكن الهواء، وصمتًا طويلاً بين النجاة والهلاك، ونورًا مجهولَ الجهة يسكن داخل كل دهشة. ومن هنا كانت البداية الكبرى: أن "معرفة الله" لم تكن يومًا طلبًا نظريًا مجرّدًا كما سيُقدَّم لاحقًا في دروس العقيدة، بل كانت دائمًا نداءً روحيًا خاشعًا ينطلق من قاع النفس، حيث لا لغة، بل خوف، لا منطق، بل عجز، لا صنعة عقلية، بل توسل وجودي، وكانت المعرفة بالله فعل استسلام كامل قبل أن تكون عملية تعريفية، وكانت أول أسمائه التي عرفها الإنسان ليست "واجب الوجود" ولا "قديم الذات" ولا "منزَّه عن الحدث"، بل كانت: الحي، الرحيم، القريب، الحافظ، المجيب، النور. ولذلك، فإن أعظم ما يُخطئ فيه الدرس العقدي كما يُدرّس الآن، هو أنه يختطف هذا النداء الداخلي، هذا الرعب الجميل، هذا السكون الذي يتفتّح في الفجر حين يقول القلب: "اللهم..."، ثم يُفرغه من محتواه ويُلبسه ثوبًا عقليًا ثقيلًا لا يحمل من النور شيئًا، بل يحمل من الصلابة والحدود والقياس ما يُغلق الأفق ويطفئ الرجاء، وكأنهم يقولون للطالب: دع قلبك جانبًا، وادخل الله من باب الاصطلاح. لكن هل يدخل الله حقًّا من الباب؟ أم هو يُغادر من أول سطر في الفصل؟ حين يُقال لك إن الله "لا في جهة، ولا في مكان، ولا يُرى، ولا يُدرَك، ولا يُشبَّه، ولا... ولا..." فلا ترى منه إلا ما لا يُقال، ولا يُشعرك إلا بما لا يُمسّ، ويتحوّل بذلك من أقرب شيء إليك إلى أبعد مفهوم عنك، من "الذي يُجيب المضطر إذا دعاه" إلى "الذي لا يُدرَك إلا بتعريف الجوهر وعوارض الذات وصفات السلب." أي مهزلةٍ هذه، أن يُدرّس الله كما تُدرّس الطاقة فيزيائيًا، أو المادة منطقيًا، أو العدم فلسفيًا؟ ولذلك، حين يُولد فيك السؤال الحقيقي: من هو الله؟ فإنه لا يولد في قاعة الدرس، بل في قاعة الليل، ولا يخرج من بين الصفحات، بل من بين الدمعة والسجدة، ولا يُجاب عليه بكتاب، بل بانكسار. ومن هنا نبدأ مساءلة هذا الانحراف الخطير، لا في المعلومة فقط، بل في النية التربوية والمعمار الروحي للدرس كله، من تأمّل ذلك المسار الذي بدأ من قلبٍ يبحث عن الله، وانتهى في عقلٍ يبحث عن تعريفه، من محاولة استعادة ذلك الإنسان الأول الذي لم يكن يعرف من الله إلا ما يُبكي، وما يُرجى، وما يُرتجف له، والذي حين نظر إلى السماء، لم يكن يريد إثباتًا لله، بل كان يشتاق إليه. حدث الانحراف حين قرر الإنسان، أو قل حين أُقنع، أو ربما حين أُرغِم بلطف المنطق، أن الله يجب أن يُبرهَن عليه لا أن يُحسّ، أن يُعرَّف تعريفًا محكمًا لا أن يُناجى همسًا، أن يُدخل في مختبر العقل ويُقطّع كمعطى قابل للتفكيك والقياس والتمحيص، لا أن يُدخل إلى القلب كارتعاشة لا يُملك لها اسم، وأن يُصاغ كموضوع للتدقيق بدل أن يُستسلم له كأفق من الرحمة والعظمة، وكان هذا أول التحول من المعرفة الباطنية إلى المعرفة التقريرية، من الله كصاحب حضور إلى الله كصاحب مفهوم، ومن الله كمنزلٍ للسكينة إلى الله كمعادلة تحتاج إلى ضوابط لُغوية ولُبوسٍ كلامي ومنهج استدلالي، وكل هذا جرى في صمت فكري رهيب، إذ لم يشعر أحد أن الكارثة قد بدأت، لأن العقل حين يُبسط منطقه يغري، ولأن البرهنة حين تنطلق تفرض احترامًا هشًا يزرع الهيبة في غير محلها، فيظن الطالب أنه كلما رتب الأقوال وأحكم التعريفات واقترب من "الحق المذهبي" صار أقرب إلى الله، بينما هو في الحقيقة يبتعد عنه بنعومة، يُجرّ إلى ساحة جدال حيث يُصبح الله في أقصاها طرفًا في نزاع مذهبي أو بضاعة معرفية تخضع للعرض والطلب، أو علامة مميزة لمذهب ما في خريطة صراع ديني — وهو في الأصل الخريطة كلها — ثم يُدرب الطالب على أن لا يستقبل الوحي إلا وقد ارتدى النظارات السميكة التي صُمِّمت في القرون، ليرى الله من خلفها فقط، وكأن الذات الإلهية لم تعد قادرة على التجلّي مباشرة، وكأن الإنسان الحديث لا يليق به أن يخاف الله من غير أن يتعرف عليه من خلال متكلمي القرن الرابع، فتم بذلك سحب التلقائية الوجدانية التي فُطِر عليها كل من قال في قلبه "يا الله"، وتم تعويضها بـ"سلسلة شروط" معرفية، أولها أن لا تقرأ الله من كتابه، بل من شروحات ما قيل عن كتابه، وأن لا تفهمه من القرآن، بل من تصنيف الصفات، وأن لا تتحدث عنه بالحب، بل بالاحتياط، وأن لا تشهق باسمه في السجود، بل تُسلم عليه في الهامش بعد تصفية النزاعات بين المجسّمة والمؤولة، وهكذا نشأت — على مدى قرون — تلك الصورة الجديدة لله: صورة مصفاة، باردة، معقمة، متأخرة عن اللحظة الشعورية، متخلفة عن النداء، صورة تصلح للحفظ والامتحان والشرح، لكنها لا تصلح للبكاء، لا تصلح للسجود، لا تصلح للمناجاة، لأنها ليست الله كما يُتجلى، بل الله كما يُفهَم، وهنا وقع الانفصال العظيم، حيث خرج الإنسان من حديقة الوحي ودخل ورشة المذاهب، وتحوّل الله من ربٍّ إلى رمز، ومن نورٍ إلى فكرة، ومن مُجيبٍ إلى موضوع، ومن المألوف في قاع القلب إلى المعلّق على جدار المقرر، وبذلك لم يبق في الدرس إلا صوت الأستاذ وهو يشرح مسألة الرؤية، وصفة القدم، واستحالة حلول الحوادث، أما الله — الحي، القريب، العليم، الذي يحبنا، ويعفو عنا، ويُنزل السكينة، ويُدخلنا في رحمته — فقد خرج منذ السطر الأول. لم يكن وهم امتلاك صورة عن الله حادثًا فجائيًا، بل نشأ تدريجيًا، ككل الأوهام الكبيرة، من رغبة في الطمأنينة، ومن خوف غير معلن من الضياع، ومن ميل دفين إلى تحويل ما لا يُحدّ إلى ما يمكن الإحاطة به، لا لأن الإنسان المتدين فقد إيمانه، بل لأنه فقد توازنه، ولأن الحاجة إلى السيطرة على المجهول كانت أكبر من قدرته على البقاء في مقام التلقي والخشية والتسليم، فبدأ العقل لا يستسلم لله، بل يريد أن يحتفظ به، لا كرفيق حاضر، بل كمفهوم مأمون، كصورة ذهنية قابلة للاستدعاء، وأداة رمزية تمنحه شعورًا بالأمان داخل فوضى العالم، وهنا تحولت المعرفة بالله من رحلة حب إلى مشروع ترميز، من نور يُسكن القلب إلى شكل يُوضع في الإطار، وأصبح الله تدريجيًا أشبه بكائن ذهني يُصاغ داخل هندسة مفاهيمية صارمة: يُقال إنه لا يُرى ولا يُحد، ولا يُشبَّه ولا يُحلّ، ولا يتكلم كالكلام، ولا يقوم به شيء حادث، ولا يتغير، ولا يضحك، ولا يغضب، أو يغضب بلا انفعال، يضحك بلا تغيير، موجود بلا كيف، ويُقال كل هذا لا بروح الخوف منه، بل بلغة التباهي بامتلاك المفهوم الأكثر دقة، والأبعد عن التشبيه، والأقرب إلى التنزيه، لكن التنزيه هنا لا يُنتج سجودًا، بل ينتج جفافًا، لأن الله لم يعُد هو ذاك الذي ينادي موسى في الوادي المقدس طوى، ولا ذاك الذي يُنزل السكينة في قلوب المؤمنين، بل أصبح هو ذاك الذي توافق عليه المتكلمون بعد جدال طويل، وتأكدوا من صفاته بعد فرز طويل، وكأن الغاية لم تعد اللقاء معه، بل الفوز بصورة نقية عنه، صورة يتفاخر بها الطالب في أطروحة، أو في مناظرة، أو في حاشية على المتن، صورة محروسة بمفاهيم دقيقة، لكنها خالية من الرجاء، من الحنين، من تلك الخفقة التي تصيب قلب العبد حين يقرأ "وكان الله غفورًا رحيمًا", أو "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني", لأن هذه الصورة ـــ رغم صفائها اللغوي ـــ لا تُفتح من الداخل، بل تُراقَب من الخارج، ولا تُضيء ظلمة النفس، بل تُعلَّق كتعريف في جدار الذهن، وهكذا وقع الطالب في الفخ الكامل: صار يعرف الكثير عن الله، لكنه لا يعرف الله، يرد على المعتزلة، يفنّد الجهمية، يصنّف المجسمة، يتقن الجدل حول الرؤية والقدم والجهة، لكنه لم يشعر يومًا أن الله يناديه، أو أنه أقرب إليه من حبل الوريد، أو أنه يراه حين يبكي خفية، أو يسمعه حين يناجيه في السَّحر، لأنه اختار أن يعرف الله لا كفقير يقف على باب الغيب، بل كمنظّر يشرح خصائص ذات لا تُرى، وصفات كيان لا يُقاس، ففقد في لحظة واحدة كل ما كان يمكن أن يُهديه النور، وربح ما تُعطيه الكتب: الثقة، الصوت العالي، الجملة المحكمة، لكنه خسر أجمل شيء… الخشوع. فحين تمسك — على سبيل المثال — بما يُسمى "العقيدة السنوسية"، تجد نفسك أمام جمل باردة تحاول تثبيت ما لا يُثبَّت، وتقنين ما لا يقبل القوننة، حيث تُساق ألفاظ مثل "واجب الوجود، قديم الذات، مخالف للحوادث، قائم بنفسه، غني عن محل"، وهي عبارات وإن بدت على ظاهرها تنزيهية، فإنها من حيث الجوهر تمارس عزلًا ناعمًا لله عن الحضور الحيّ في وجدان العبد، وتجعله كائنًا مجردًا لا يُلمس، لا يُخاطَب، لا يُرجى، بل يُدرس من خلال شبكات لفظية ما إن تدخلها حتى تنسى لماذا كنت تبحث عن الله في الأصل، ويزيد من خنقك أن هذه الصياغات — رغم بُعدها عن النص القرآني وروحه — تحولت إلى مادة حفظ، بل امتحان، بل ميزان حكم على العقيدة: من لم يقل إن الله "ليس بجوهر ولا عرض" فقد انحرف، ومن لم يسلّم بأن الصفات لا هي هو ولا غيره، فقد ضل، ومن لم يقل إن القرآن كلام الله النفسي القديم، فقد أحدث، ومن لم... ومن لم... وكأننا أمام شفرة، لا علاقة لها بالخوف، ولا بالحب، ولا بالمصير، بل بأهلية المرور من بوابة التصحيح الفقهي، وكأن الله لم يعد "الرحيم"، بل "المفهوم الصحيح." ثم تمضي إلى العقيدة الحضرمية، فتجدها تقريبًا تكرر نفس العبارات، بنفس البنية، ولكن بتبديل بعض المفردات، وتغيير ترتيب الصفات، وإدخال تحاشٍ لغوي هنا أو هناك لتفادي النزاع، لكنها لا تضيف شيئًا حيًا، ولا تفتح بابًا جديدًا للقلب، بل تعيدك إلى نفس الحلبة التي يتقاتل فيها المتكلمون على تعبير أدق، وأقرب، وأحكم، ويغيب السؤال الجوهري: هل ازددتُ معرفة بالله؟ هل اقتربتُ منه؟ هل وجدت نفسي بين يديه بعد قراءة هذه العقيدة؟ أم خرجت منها كما دخلت، إلا من شعور طفيف بالتفوق الاصطلاحي؟ ثم تصل إلى العقيدة اليوسية، المنسوبة لحسن اليوسي، فتجد نفسك أمام عقيدة مغربية النَّفَس، مالكية المذهب، أشعرية الإطار، لكنها لا تختلف جوهريًا عمّا سبقها إلا في الترتيب وبعض التحفظات اللفظية، وقد يكون الفرق الوحيد أن بعض العبارات أُلبست "حكمة مغربية" في العرض، لكنها تظل حبيسة نفس الأُطر: نفي الحدّ، نفي الجهة، إثبات الصفات بمعناها القديم، نفي الحلول، نفي الاتحاد، كل هذا في سلسلة من التعريفات التي لا تترك في القلب أثرًا سوى أنك مررت من شبكة أمنية معرفية دون أن يُكتشف عليك خلل. وهنا يظهر عمق المأساة: أن كل هذه العقائد، ورغم اختلاف تسمياتها وافتخار كل مدرسة بواحدة منها، لا تُنتج يقينًا جديدًا، ولا تفتح أفقًا للذة القرب من الله، بل تُراكم على العبد طبقات جديدة من "الاحتياطات المعرفية"، وتؤكد له، مرة بعد مرة، أنه لا يمكن أن يعرف الله من خلال خشيته، أو من خلال الفطرة، أو من خلال البكاء في الليل، بل فقط من خلال تمرير الاختبار العقدي بنجاح، وكأن السجود — دون حفظ تلك المتون — لا يكفي للنجاة. إنك حين تنظر إلى هذه العقائد الثلاث، تدرك أنك لا تقف أمام ثلاثة نماذج لمعرفة الله، بل أمام ثلاثة أشكال لنفس الجدار، جدار صيغ بلغة تقول لك: الله لا يُرى، لا يُحد، لا يُتصور، لا يُقاس، لا يُشبه، لا يُدرك، لا... لا... لا...، وتنسى أن تقول لك: لكنه يسمعك، يعرف حزنك، يراك الآن، يراك حين لا يراك أحد، يحبك حين تتوب، ويغفر لك حين تنكسر، ويستقبلك دون تصريح عقدي أو حاشية شرحية. إن كل هذا — حين يُساق على أنه "العقيدة" — يقطع الطريق على من أراد أن يسير إلى الله بقلبه، لا بمفاهيمه، ومن أراد أن يقرأ القرآن كما هو، لا كما فُسر له، ومن أراد أن يتطهر في الوادي المقدس لا أن يتوه في القاعات الأكاديمية، ومن أراد أن يعبد الله لأنه نور السماوات والأرض، لا لأنه "قديم بلا ابتداء، باقٍ بلا انتهاء، لا يُقال متى كان ولا أين كان ولا كيف كان..." فأي عقيدة هذه التي لا تُورث خضوعًا، ولا تُولد محبة، ولا تُنتج شوقًا؟ وأي علم هذا الذي يزيدك غرورًا بالمنهج، ولا يُسلمك لدمعة واحدة في الليل؟ إن أخطر ما حدث في التاريخ العقدي للإسلام ليس اختلاف الناس حول الله، فهذا طبيعي، ولا حتى تضارب مذاهب الكلام، فهذا قديم، ولا حتى فشل كل محاولة في الوصول إلى تعريفٍ نهائي لله، فهذا من حكمة الله نفسه، بل إن الخطر الحقيقي الذي مرّ كخيط مسموم في ماء الفكر، هو تلك اللحظة التي قررت فيها كل مدرسة أن تصوغ صورة لله ثم تحتكرها، لا لنفسها فقط، بل لتجعلها المعيار الوحيد لصحة الإيمان، وكأن الله لم يُنزِل من وحيه ما يكفي، ولا تجلّى في كتابه بقدر كافٍ، وكأن كل تلك الآيات التي قال فيها "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني", و*"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش...", و"قل هو الله أحد..."*، لم تكن كافية، فاحتاجت إلى إعادة شرح، وتأويل، واحتراز، وتمحيص، وتفصيل في الصفات، وتحقيق في الحدود، وتحقيقات في القدم والبقاء، ونفي في الجهات والمماسة، وهكذا، تحوّل الخطاب الإلهي المباشر، الذي كان يُنتج في القلب صمتًا ودمعة وتعلقًا وخشية، إلى خطابٍ بشري مشبع بالتقنية الجدلية، مليء بمصطلحات يُستعمل بعضها لنقض البعض، ويُحشر الطالب بينها كما يُحشر القلب بين مفاتيح مغلقة لا تفتح شيئًا، ولا تُحيل إلى الله، بل تُحيل إلى السلطة المعرفية لمن كتب العقيدة أولًا. وهكذا نشأت صور لله لا تُعبد بل تُراجع، لا تُناجى بل تُشرح، لا تُسكن في الصلاة بل تُعرض في سطور، وصارت كل مدرسة تطبع نسختها الخاصة من الله، وتُحاصر بها الطالب والمريد والشيخ والمفتي، فيُقال له: الله عندنا لا يُرى، فإن قلت يُرى فقد وقعت في التجسيم، ويُقال له: الله عندنا يُرى، فإن نفيت الرؤية فقد أنكرته، ويُقال له: الله قديم بلا ابتداء، لا محل له، لا يُتصوّر، لا كيف له، فإن تساءلت عن الكيف فقد شبّهت، وإن تردّدت فقد ابتدعت، وإن سكت فقد أحلت، وإن رجعت إلى القرآن، فقد رجعت إلى ما لا يكفي، لأن الأصل في العقيدة لم يعد القرآن بل المتن، والمتن صار أهم من المتنزل، وصوت الله غاب تحت صوت من شرحه، فصار الطالب يُحاكم إلى العقيدة لا إلى النور، ويُقال له: قف هنا، لا تتجاوز ما حدده السنوسي، أو ما نقحه الباجوري، أو ما أصل له اليوسي، أو ما حَذَفَه السّبكي، وكأن الله محجوب في نصوصهم، ومُفرَغ في نسقهم، لا يُعرف إلا عبر قنواتهم، وكأن قوله "ففروا إلى الله" لا يعنيك إلا إذا فررت عبر مدرستهم، و*"أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له"* لا تُقرأ إلا بعد أن تمر على لجنة العقد، فإن وافقت فهمهم، قُبِلت، وإن خالفتهم، رُدّت، وهنا نكتشف الكارثة التي لم تُكتب بما يكفي، وهي أن الله الذي جاء ليحرر الناس من الوساطة، صار يُعبَد من خلال الوسيط، وصار لا يُرجى إلا بترخيص اصطلاحي، ولا يُعرف إلا ضمن خريطة مفاهيمية لها سُقوفها وحدودها، وصار الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد، يُنسب إلى مدرسة، ويُمسك من عنقه في جملة: "قال السنوسي..."، أو "ورد في المقدمة الحضرمية..."، وكأن الله يحتاج إلى ختم لتُقرأ أسماؤه، أو يحتاج إلى شرح لتُحبّه. وهنا تمامًا، نصل إلى السؤال المرعب: كيف يُحبّ عبدٌ ربًا لا يعرفه إلا من خلال غيره؟ وكيف يخشع له، إذا لم يُسمح له بأن يسمعه مباشرة؟ وكيف يرجوه، إذا كانت أسماؤه خاضعة لتدقيق عقدي مسبق؟ وكيف يعيش في جوار الله، إذا لم يكن مُجازًا في المتن؟ وهل أصبح الله — وهو أقرب إلينا من حبل الوريد — بعيدًا إلى هذا الحد لأن المدارس الكلامية اتفقت أن تقول عنه الكثير، لكنها لم تتركه يقول عن نفسه شيئًا؟ أليست هذه هي المأساة التي لم تُدرك إلا بعد فوات الوجدان؟ حين نظن أننا عرفنا الله لأننا عرفنا ما قيل عنه، بينما لم نقف بين يديه لحظة، ولم نخشع في اسمه لحظة، ولم نقف على رؤوسنا في صلاة الفجر لأننا فهمنا أنه الحي الذي لا يموت، وليس لأنه "لا محل له ولا جهة"، وهكذا — وبهذه الصورة الرمادية — يكون الله قد غاب لا لأن العالم أنكره، بل لأن أهله اختطفوه، وأغلقوا عليه بالاصطلاح، وعلقوا صورته في المتون، وكتبوا تحتها: لا يُقترب إلا بإذن. الأثر السيكولوجي — الطالب الذي لا يعرف من عبد ما من جرحٍ أشد خفاءً من أن تُفرغ في قلبك رغبة عظيمة ثم تُضيّع الطريق إليها باسم المنهج، وما من أثر أشد إيلامًا من أن يُمنح الطالب شعورًا بأنه يسير نحو الله وهو في الحقيقة يسير إلى شبكة من التعريفات والاصطلاحات والمذاهب التي تنمو فوق ظهر النور دون أن تُضيئه، وتتكاثر على هامش الوحي دون أن تُوصله، لأنه حين دخل قاعة العقيدة، لم يدخل ليسمع الله، بل دخل ليسمع عن الله، وحين جلس بين يدي أستاذه، لم يُطلب منه أن يخشع، بل أن يحفظ، ولم يُسأل عن أثر الاسم في قلبه، بل عن صحة العبارة على لسانه، فصار يتعامل مع الله كما يتعامل الفيلسوف مع المفهوم، يُحاوره دون أن يحبه، ويفحصه دون أن يراه، ويحاكمه دون أن ينهار أمامه، وصار الطالب، من حيث لا يشعر، يخرج من درس العقيدة أكثر معرفة بما لا يُقال عن الله، وأقل تهيبًا من حضرته، وأكثر براعة في الشرح، وأشد بعدًا عن السجود، وصارت علاقته بالله أقرب إلى علاقة الناقد بالنص، لا إلى علاقة العبد بالمعبود، فقد تعلّم أن يسأل: هل الله يُرى؟ لكنه لم يسأل نفسه: هل أنا أراه في قلبي؟ وتعلّم أن يجيب: الله ليس بجوهر ولا عرض، لكنه لم يسأل يومًا: هل أنا بين يديه الآن؟ وهل يسمعني حين أخاف؟ وهل يربّت على قلبي حين أضعف؟ وهل يغفر لي حين لا أستحق؟ لأنه ببساطة، لم يُعلَّم أن الله حيّ، بل أُخضِع لدرس يوحي له — من حيث لا يُصرَّح — أن الله فكرة قابلة للضبط، لا نداء قابل للسماع، وأن صفات الله ينبغي أن تُشرح، لا أن تُبكي، وأن وجوده ينبغي أن يُبرهَن عليه بالحدوث والإمكان والقدم والبقاء، لا أن يُذاق في الليل حين يُقال: "يا رب، إني أحبك." وهكذا تتكوّن الشخصية العقدية للطالب في صمت، لا كثمرة لصراع روحي مع الله، بل كحصيلة لاصطفاف مذهبي مُنمّق، يُكافَأ فيه على صحة الاصطلاح، ويُقيَّم فيه على دقة النقل، ويُمنَح فيه شعورًا بالتفوق المعرفي حين يرد على من "ضل" في التعبير، لا حين يخشع لمن تجلّى له الله بلا حجاب، وتتشكل بذلك نفسية عالِمٍ صغير، لا نفسية عبد، نفسية متكلم في أول الطريق، لا ساجد في آخره، نفسية من يناقش، لا من يتوسل، نفسية من يعرف أن صفة السمع لا تُشبَّه، لكنه لا يسمع الله، وأن صفة الرحمة لا تُحدّ، لكنه لا يشعر بها، وأن الله غني عن المحل، لكنه لم يعرف بعد محل الله في حياته. وهكذا، وفي غفلة من الدرس، يُعاد تشكيل باطن الطالب على نحو يجعله غير مدرك أنه خرج من العقيدة دون أن يتعرّف على الله، وأنه يكتب البحوث في أسمائه الحسنى وهو لم يُجرب واحدة منها، وأنه يدرّس آيات التوحيد وهو لا يشعر بالتوحيد، لأنه أُدخِل في منظومة معرفية تُعطيه اليقين الاصطلاحي وتحرمه من الرجاء، تُعطيه حق الرد على الفرق ولا تعطيه حق البكاء في خلوته، تُخرجه عارفًا بموقف المدرسة من المجسّمة، لكنه لا يعرف ما الذي يحب الله أن يسمعه منه في جوف الليل، ولا ما هي الكلمة التي إذا قالها خُفف عنه، وإذا سجد بها قبله الله، وإذا تاه بها وجد الطريق، لأنه لم يُدرّب على الحديث مع الله، بل على الحديث عن الله، ولم يُدرَّب على أن يخاف الله، بل على أن يخاف من الخطأ في العبارة، ولم يُعلَّم كيف يسأل الله، بل كيف يردّ على المعتزلة، فصار من حيث لا يدري خبيرًا بالله كفكرة، لا عاشقًا له كحقيقة. الله في قاعة الدرس — من السجود إلى السبورة لم يكن غريبًا أن يغيب الله، ولم يكن الأمر مفاجئًا حين تلاشت مهابته من قلوب الطلبة، ولا حين أصبح اسمه يُتداول في القاعات بصفته موضوعًا معرفيًا لا مقامًا للرجفة، ولا حين صار يُشرح دون أن يُخشع له، لأن ذلك كله لم يكن وليد لحظة واحدة، بل كان نتيجة انتقال بطيء، متقن، مخادع، من السجود إلى السبورة، من المحراب إلى المخطط، من الخشية إلى الشرح، من القرآن إلى الحاشية، من "يا رب" إلى "قال فلان"، من لحظة بكاء سرّي في جوف الليل إلى لحظة تصحيح اختياري في امتحان العقيدة، ذلك الانتقال الذي لم يُرصد لأنه لم يكن انقلابًا، بل كان سلسلة خفيفة من الاستبدالات الرمزية التي غيّرت طبيعة العلاقة بالله دون أن تُغيّر ملامح الخطاب، فجعلت كل شيء يبدو دينيًا بينما هو في جوهره مجرد، بارِد، لا حياة فيه، ولا إشراق، ولا خفق قلب، فالله، الذي كان يُرى في سورة، ويُلمس في دعاء، ويُرتجَف له في خطبة، ويُرتق له القلب في لحظة سكون، أصبح اليوم محصورًا في تقابل الصفات، وتعارض الأقوال، وترجيح الروايات، واستحضار المتون، وبيان مواضع الإجماع، وكأن الألوهية لم تعد مقصودة لوجهها، بل لتفوق المتكلم بها على غيره، وكأن الحديث عن الله أصبح ساحة فكرية يُعرض فيها التفوق البياني، لا ساحة خضوع يتوارى فيها اللسان، وكأن "العقيدة" تحوّلت من مقام العبد إلى مادة تُدرّس بآليات محايدة، وبنبرة لا ترتجف، وبأسلوب لا يعتذر، وبمراجع لا تتكئ على الخوف، بل على اليقين التقريري المحايد. وهكذا غاب الله من قاعة الدرس، لا لأن أحدًا أنكره، بل لأن أحدًا لم يحضره، لأن الذي أُحضر هو اسمه لا نوره، خطابه لا حضوره، تأويل صفاته لا شوق لقربه، ولأن الذي يدرّس العقيدة لا يسجد، والذي يسمعها لا يتغير، والذي يكتب فيها لا يبكي، والذي يُمتحَن فيها لا يتطهّر، ولأن الورقة أصبحت أهم من القلب، والإجابة النموذجية أهم من الرجاء، والسطر الصحيح أهم من التوبة، ولأن العقيدة أصبحت — ببساطة — قضية بنيوية أكثر منها قضية نبوية، خطابًا مؤسسيًا أكثر منه نداءً روحيًا، ولأن الذي يُراد من الطالب أن يتقنه هو "ما يُقال عن الله"، لا "ما يحدث له حين يقف بين يديه"، فبقي الاسم يتردّد، لكن الوجه لا يُرى، وبقي الدرس يُشرح، لكن القلب لا يرتجف، وبقيت الصفحات تُقلب، لكن باب الله ظل موصدًا. ولم يعد مستغربًا أن يخرج الطالب من الفصل وفي يده ملزمةٌ فيها كل الصفات، لكنه لا يعرف متى غفر الله له، ولا يعرف في أي لحظة أحبه الله، ولا يعرف في أي كلمة اختاره الله، لأنه لم يتعلم أن يفتح قلبه، بل تعلم أن يفتح كتابه، ولم يتربّ على مراقبة الله، بل على موافقة المذهب، ولم يُوجَّه إلى أن يسأل الله، بل إلى أن يرد على من أخطأ في تصنيفه، فانتهى الأمر إلى طالب ناجح في امتحانه، لكنه ضائع في علاقته، حاضر في الصف، لكنه غائب عن حضرة الله، يعرف الفرق بين الصفة الذاتية والفعلية، لكنه لا يعرف الفرق بين قلبه وهو ممتلئ بالنور، وقلبه وهو مُطفأ بالرتابة، ولا يعرف لماذا لم يخشع بعد، رغم كل ما عرف. وهنا، تكون العقيدة قد أُنجزت كمقرر، لكنها لم تبدأ كرحلة، ويكون الله قد حُكي عنه، لكنه لم يُعش، وتكون القاعة قد أضاءت بمصابيح الفهم، لكنها ظلت بلا سجادة، بلا خلوة، بلا أثر. متى كانت العقيدة بلا قلب؟ لم تكن العقيدة بلا قلب منذ البداية، بل كانت — في أصلها النبوي الأول — قلبًا خالصًا، نابضًا، متوهجًا، مذعورًا، خاشعًا، تائبًا، عاشقًا، ممتلئًا بالخوف من الله، مشتعلاً بالرجاء فيه، متعلقًا به كما يتعلق الغريق بخشبة النجاة، وكان أول من عاش العقيدة لم يكن متكلّمًا ولا مصنّفًا ولا شارحًا، بل كان عبدًا يسمع آية فيرتعد، وتُتلى عليه صفة من صفات الله فيخر ساجدًا، ويُذكر أمامه اسم الرحيم فيبكي من شدة الطمع، واسم الجبار فيرتجف من هول العدل، واسم الودود فيتمنى أن يُكتب له مقام القرب، واسم الغفور فيناديه في ظلمات الليل: "اللهم اجعلني ممن تُحبهم وتغفر لهم"، وكانت العقيدة في صدورهم لا في دفاترهم، وفي سجودهم لا في متنهم، وفي دمعتهم لا في عبارة مصنفة، ولم يكونوا يعرفون مصطلح "قديم الذات" لكنهم كانوا يقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك"، ولم يكونوا يميزون بين "صفات المعاني" و"صفات الذات" لكنهم إذا قرأوا "الرحمن على العرش استوى" سجدوا، لا ليسألوا عن الكيف، بل ليخضعوا لحضور لا يُحتمل، وكانوا إذا سمعوا "ألم يعلم بأن الله يرى؟" وضعوا أيديهم على قلوبهم خشية أن يُكشف سترهم، ولم يكونوا يحتاجون إلى مقدمة حضرمية، ولا إلى منظومة سنوسية، ولا إلى شرح اليوسي، ولا إلى حاشية الباجوري، لأنهم كانوا يعرفون أن الله لا يُعرّف، بل يُعاش، ولا يُدرك، بل يُناجى، ولا يُحيط به اصطلاح، بل يحتضنه البكاء. لكن العقيدة بدأت تفقد قلبها حين بدأ الإنسان يُخيفه سؤال المخالف أكثر مما يُخيفه وجه الله، وبدأ يخشى ضلال العبارة أكثر مما يخشى فقدان الرحمة، وبدأ يُبرر إيمانه لا يُحياه، ويُدافع عن مفاهيمه لا يفتح قلبه، وبدأت الكلمات تُستبدَل بالحدود، والنصوص تُمزَّق إلى استدلالات، والتلاوة تُختزل في الأدلة، واليقين يتحوّل إلى نسخة محفوظة قابلة للنسخ واللصق، وهنا، بالضبط، بدأ قلب العقيدة يُنتزع ببطء، ويُستبدَل بعقلانية باردة، لا ترتجف، ولا تصلي، ولا تشتهي الله، بل تشتهي الانتصار. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد العقيدة دعاء، بل أصبحت "دفاعًا"، ولم تعد ميثاق حب، بل أصبحت "بنية معرفية"، ولم تعد صرخة موسى: "ربي إني لما أنزلت إليّ من خير فقير", بل صارت: "قال إمام الحرمين كذا"، "ورجّح الرازي كذا"، "ورد في المواقف كذا"، وكأن الطالب الذي جاء يبحث عن طريقٍ للنجاة، انتهى به الأمر في متاهة لا مخرج منها إلا بالمصطلح الصحيح، فإن نطق به نجا، وإن أخطأه هلك، وكأن الله صار يُقاس بالنقاط، ويُدرَّس في اختيارات متعددة، ويُمنح بحسب دقة اللفظ لا بحسب طهارة القلب. وحين تُستبدَل العقيدة بالقالب، يفقد الإنسان العلاقة، لأنه لا يمكن أن تحب الله كفكرة، ولا أن تخشاه كمفهوم، ولا أن تفر إليه كتعريف، بل فقط كـنور، كرجاء، كيقين فطري، كإحساس أنك إن متّ الآن فليس لك إلا رحمته، ولا أملك إلا عفوه، ولا سند لي إلا قوله: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم", وأنك مهما أخطأت فإن "الله" لا يزال الله، لا يتغيّر لأنه الحي، ولا يتأثر بجهلك لأنه العليم، وأنك إن بكيت وحدك في الليل فهو يسمعك، وإن خفت فهو أقرب إليك من دمك، وإن ندمت فقد قرُبت، وإن دعوت فقد وصلت. فمتى كانت العقيدة بلا قلب؟ منذ أن توقفت عن الارتجاف. ومنذ أن لم نعد نبكي ونحن ندرسها. الفصل الثامن: مقترح لدرس عقدي حيّ في ضوء الفلسفة القرآنية ليكن واضحًا من أول السطر: لسنا في حاجة إلى درس جديد في العقيدة من حيث الشكل أو الترتيب أو المادة أو عدد الساعات أو جدول التنقيط، بل نحن في حاجة إلى درس جديد في "كيف نُعرِّف الله؟"، لا تعريفًا عقلانيًا ينتمي إلى مدارس الكلام، ولا تعريفًا سلفيًا ينتمي إلى ظاهرية مطلقة، ولا تعريفًا حداثيًا يُفكك المعنى لصالح الشك، بل تعريفًا فطريًا يُعيد العلاقة إلى أصلها: أن الله ليس شيئًا يُقال، بل جهة يُقصَد، وليس موضوعًا يُشرَح، بل مقامًا يُعاش، وليس ملفًا معرفيًا، بل رفيقًا أبديًا، وأن أول ما ينبغي على درس العقيدة أن يفعله هو أن يُخلي السبورة لا أن يملأها، أن يُطفئ الجدل لا أن يُذكيه، أن يُنزل الطالب من المقام المعرفي إلى المقام العابد، أن يأخذ بيده لا إلى قاعة الدرس، بل إلى عتبة السجود، وأن يُذكّره أن الله لا يُرى بالأبصار ولكن يُحسّ في أعماق التائبين، وأنه يُعرّفك على نفسه إذا صدقت، لا إذا وافقت المذهب، وإذا بكيت، لا إذا حفظت المتن، وإذا قلت "يا رب" بصدق، لا إذا قلت "قائم بنفسه لا محل له" بحياد معرفي خالٍ من الشعور. وإن الدرس الحيّ الذي أقترحه، لا يبدأ بتحديد الصفات، بل بقراءة سورة، لا يبدأ بالرد على الفرق، بل بإثارة الخوف من الغفلة، لا يبدأ بتحديد "ما هو الله"، بل بمواجهة الطالب بسؤال: ماذا يعني أن الله يراك الآن؟، هل تشعر أنه يُكلّمك حين يكلّمك؟، هل قرأت اسمه "الرحيم" من قبل وبكيت؟، هل استحييت من الله لأنك خنته في لحظة سرّية لا يراك فيها أحد؟، هل تمنيت أن يحبك؟، هل خفت أن لا يحبك؟، هل فكرت أن الله لو لم يكن، لهلكت؟... ثم بعد هذه الأسئلة، التي لا تُجيب عنها الكتب، بل يُجيب عنها القلب وحده، يبدأ الدرس، لا بمدخل إلى علم الكلام، بل بمدخل إلى الذات التي ضاعت، إلى الفطرة التي غطاها الغبار، إلى النداء القديم الذي سمعه آدم في الجنة: "يا آدم، اسكن أنت وزوجك الجنة..."، ذلك النداء الذي ما زال يتردد إلى اليوم في صدور المشتاقين، وما زال يُعاد بصيغ مختلفة في القرآن، مرة كأمر: "ففروا إلى الله", مرة كعتاب: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم", ومرة كرحمة صافية: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله." وهذا الدرس، لا يحتاج إلى تقسيم تقليدي، بل إلى بناء بيداغوجي روحي يتّبع خريطة القرآن نفسه: فيبدأ من "الحمد لله رب العالمين", ليفتح معنى الربوبية: الرعاية، التربية، التقليب، الاستمرار، القرب، ثم يدخل إلى "الرحمن الرحيم", لا ليُفسر معناها المعجمي، بل ليُستخرج منها مشهدًا حيًّا: كم مرة رحمك الله وأنت لا تستحق؟ كم مرة رأى عارك فلم يفضحك؟ كم مرة سمعت صوت القرآن وهو يُعاتبك، فادّعيت أنك لم تسمعه؟ ثم يدخل إلى "مالك يوم الدين", فيعلّمك أن العقيدة ليست في "صفة القدم"، بل في إدراك أن مصيرك إليه، وأن وحده يعرف سرك، ووحده يحكم عليك، لا الأستاذ، ولا المدرسة، ولا المذهب، ثم ينطلق إلى كل موضع في القرآن يُظهر الله، لا كفكرة، بل كصوت، كرحمة، كغضب، كمغفرة، كحضور، حتى يشعر الطالب، أن الله ليس بعيدًا في علُوّ لا يُدرَك، بل قريب في فقره الذي يسكنه، وأن أقصر طريق إلى الله ليس هو إثباته، بل افتقاده، ولا تأصيل وجوده، بل خشيته، ولا معرفة اسمه، بل الأنس به. إن العقيدة التي لا تُبكي الطالب مرة، ليست عقيدة، وإن الدرس الذي لا يُسكته دقائق، ليس درسًا، وإن الله إذا لم يدخل من باب الفطرة إلى القلب، فكل المذاهب لا تنفع، وإن كل ما كُتب لا يُغني، إن لم يكن الساجد قد قالها مرة: يا رب، أنا لا أعرف عنك إلا أنك لم تتركني، حين تركت نفسي. ولأن العقيدة التي نطلبها ليست بديلة من خارج، بل أصيلة من داخل، فإن مادة العقيدة في كلية أصول الدين — إن أُريد لها أن تكون قرآنية في أصلها، تربوية في غايتها، فطرية في مدخلها، قلبية في ثمرتها — لا بد أن تعود إلى مصدرها الأول، لا إلى ما قيل عنه، بل إلى الله كما قدم نفسه لعباده، إلى الله الذي بدأ بهم من سورة الفاتحة لا من تعريف الجوهر، وعرّف نفسه في "الرحمن" لا في "قدم الذات"، وخاطبهم بـ"يا عبادي" لا بـ"يا أصحاب المنهج"، وفتح لهم الباب من خلال السورة، لا النظرية، ومن خلال التجربة، لا التصنيف، ومن خلال الخشية، لا التعريف، ومن خلال الحب، لا الحاشية. لهذا، ينبغي أن تُبنى المادة على محاور قرآنية لا مدرسية، تُرتب لا بحسب كتب المتكلمين، بل بحسب تدرج الوحي، فتبدأ من توحيد الربوبية كما يتجلى في "الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم", ثم توحيد الألوهية كما يتجلى في "فاعلم أنه لا إله إلا الله", ثم صفات الله كما وردت في مواضع الخوف والرجاء لا في أبواب الجدل، ثم مقام الإنسان أمام الله كما ورد في "إنه كان للأوّاب غفورًا", ثم سؤال المصير كما في "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا", ثم أثر العقيدة على النفس، لا في نقاش الخصوم، بل في تزكية السريرة وصدق التوجه. ويكون المحتوى موقّعًا بالقرآن، محكومًا بترتيب السور، مشبعًا بأثر الخشوع، مقروءًا بتدبر، مصحوبًا بلحظة سكوت بعد كل درس، لا لحظة مراجعة فقط، ويُسمح للطالب أن يخطئ في الاصطلاح، إن صدق في التوجه، ويُوجَّه أن يسأل نفسه: هل زاد قلبي يقينًا؟ قبل أن يسأل: هل جوابي مطابق للنموذج؟ إن مادة العقيدة في كلية أصول الدين أو الشريعة الإسلامية، إن لم تبنَ على هذا الأصل، ستبقى مَعلمًا من معالم الانفصال: بين الطالب والله، بين المعلومة والعبادة، بين التخصص والدعاء، بين ما يُقال في المدرج وما يُفتَقَد في السجود، وستظل تخرج أجيالًا تعرف كل شيء عن الفرق، وتجهل كل شيء عن الله. ولهذا، فإن الغاية ليست تغيير البرنامج، بل تغيير النَّفَس، ولا تحديث المقرر، بل تحريره، ولا شحن الطالب بمزيد من المصطلحات، بل ربطه بمصدرها الأول، لا ليُعرّف الله من خارج العلاقة، بل ليقف على بابه ويقول له كما قالت الفطرة قبله: يا رب، زدني بك علمًا، لا بكلام عنك. لم يكن مطلوبًا أن نكتب برنامجًا، بل كان مطلوبًا أن نُعيد فتح الباب، أن نترك النور يتسرّب حيث أغلق الكلام كل منفذ، وأن نردّ لله كلمته بعدما فُقدت بين أوراق المقرر، فكان لا بد من مادة تُدرّس لا لتُشرح، بل لتُوقظ، لا لتُصنَّف، بل لتُذَكِّر، لا لتُفهم بالعقل المجرد، بل لتُحيا في القلب المُنهك، مادة لا تسأل الطالب كم يحفظ من المصطلحات، بل تسأله: كم مرة شعرت أن الله معك؟ كم مرة خفت منه وحدك؟ كم مرة انتظرته في العتمة؟ كم مرة بكيت لأنك لا تستحقه، ثم غفر لك؟ كم مرة ظننت أنه لا يسمعك ثم أجابك؟ وكم مرة شعرت أن هذه ليست مادة، بل لقاء؟ لهذا، لا يُبنى البرنامج الجديد على شكل جدول، بل على هيئة ارتجافة، لا يبدأ بـ"مدخل إلى علم التوحيد" بل بـ"لحظة وعي بأن الله يراك الآن"، ولا يُفتح بعبارة "قائم بنفسه لا محل له" بل بكلمة "ربّ"، كما ناداها إبراهيم، كما نطق بها القلب في لحظة الخوف، كما نزل بها القرآن، مادة لا تُفرَض على الطالب، بل تُستخرج من أعماقه، من أسئلته التي لم يجرؤ أن يسألها، من دموعه التي جفّت في القاعات، من حنينه القديم إلى يقين لم يجده بعد، لأن كل ما وجده كان تعريفًا عن الله، لا طريقًا إليه. ولهذا، تبدأ هذه المادة من حيث يجب أن تبدأ: من سورة الفاتحة، لا من مقدمة السنوسي، من "إياك نعبد وإياك نستعين", لا من "لا تحل فيه الحوادث"، من "الحمد لله" لا من "واجب الوجود"، من الرعشة الأولى، لا من الحاشية الأخيرة. فيُدرَّس الطالب الله من خلال أسمائه لا من خلال الجدل حول صفاته، من خلال آيات الخوف، لا من خلال معايير الفرق، من خلال الآية التي تقول "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم", لا من خلال الرؤية والجهة، من خلال سورة "الليل" التي تقول: "وسيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى"، من خلال سورة "الضحى"، و"الزمر"، و"الأنفال"، و"ق"، من خلال كل لحظة يقول فيها الله عن نفسه شيئًا لا يحتاج إلى تفسير، بل يحتاج إلى مناجاة. ويُعلَّم الطالب أن يسأل لا: هل الله يُرى؟ بل: هل أنا أراه في صلاتي؟ وأن يُمتحن لا في تعريف الجوهر، بل في موضع الرحمة في حياته. وأن يُطلب منه لا مشروع بحث عن الفرق، بل كتابة صفحة بعنوان: "كيف علّمني الله؟" ويُفتح له دفتر، لا ليسجّل فيه الحواشي، بل ليسجّل فيه كل اسم من أسماء الله كما شعر به، كما ناداه به، كما وُلد فيه من جديد بعد أن فقده. أما التقييم، فلا يكون بدرجات، بل بشيء واحد: هل غيّرتك هذه المادة؟ هل صرت تخاف الله أكثر؟ هل غيّرت صلاتك؟ هل قرأت بعدها القرآن كأنك تُخاطب لا تُحلل؟ هل صرت تقول "يا الله" وأنت تعنيها حقًا؟ هل أحببت الله دون أن تحتاج إلى وسطاء؟ وإن لم تفعل… فهذه ليست عقيدة، بل عنوان بلا روح. إن مادة "العقيدة " في كلية أصول الدين أو الشريعة الإسلامية لا ينبغي أن تدخل إلى القاعة كما دخلت غيرها، لا يُعلَن عنها كما يُعلَن عن المقررات الأخرى، ولا تُدرّج ضمن "مواد السنة الأولى" كأنها واحدة من سلسلةٍ بلا نَفَس، بل تُقدَّم للطالب بوصفها "أول لقاء مع الله كما يُكلّمك، لا كما يُشرَح لك"، بوصفها ليس مجرد مادة بل عتبة العودة، اللقاء الذي إن لم يحدث في بداية التكوين، تاه العبدُ عن الله بقية عمره، مهما حفظ من كتب. ولا تُدرّس في قاعة تقليدية، بجدران بيضاء ومقاعد ثابتة وصوت مصطنع، بل في مساحة يسكنها الصمت، ويُسمح فيها للحظة أن تُمرّ، ويُتعمّد فيها أن لا تُغطّى السبورة بمفاهيم، بل أن تُترك مساحة بيضاء ينتظر فيها الطالب أن يسمع نفسه، لا فقط أن يسمع الأستاذ، مادة لا يُفتتح فيها الدرس بعبارة "قال الإمام كذا"، بل بقوله تعالى "وإذا سألك عبادي عني..."، ثم يصمت الجميع، لأن الله، وليس الشارح، هو الذي يتكلم. ولا يُطلَب من أستاذ هذه المادة أن يُدرّس كما يُدرّس العقيدة عادة، بل أن يتحوّل في تلك اللحظات إلى رفيق وجداني، لا مُمتحِن، إلى من يُنزل الآية على قلبه أمام الطلبة، لا من يشرحها كما تُشرح المفاهيم المجردة، إلى من يتجرد من عباءته المعرفية لحظة اللقاء، ويقف معهم، لا فوقهم، ليتعلم مرة أخرى كيف يُحب الله، كيف يخشاه، كيف يعترف أنه ما زال في أول الطريق. ويُعطى الطالب منذ اللقاء الأول دفترًا، لا للحواشي، بل لما يحدث له، دفترًا لا يُقيَّم فيه الأسلوب، بل درجة التورط، مدى الصدق، مساحة البوح، ويفتح هذا الدفتر أسبوعيًا، لا لتُقرأ صفحاته، بل ليُسأل صاحبه سؤالًا واحدًا فقط: "ما الذي حدث بينك وبين الله هذا الأسبوع؟" فإن أجاب: بكيت. قيل له: هذا هو النجاح. وإن قال: لم أشعر بشيء. قيل له: فلنبدأ من هنا. ويُراعى في الجدولة أن لا تُزاحمها المواد الجدلية، وأن لا تُعطى بعد مادة المنطق أو الفلسفة أو أصول الفقه، بل أن تُدرّس في يوم منفصل، في وقت السكون، كأنها صلاة لها توقيتها، ولها لحظتها. ولا يُختم الفصل بمراقبة كتابية، بل بمناجاة مكتوبة، من صفحة واحدة، يُطلَب فيها من الطالب أن يكتب لله، لا عن الله، أن يقول له ما لم يَقُله من قبل، أن يعتذر، أو يشكر، أو يشتاق، أو يبوح، فإن كتب نصًا نحويًا صحيحًا لكنه بلا دمعة، قيل له: لم تبدأ بعد. وإن كتب فقرة مرتبكة، مهزوزة، فيها خوف، فيها ندم، فيها حنين، قيل له: هذا هو الامتحان. وهذا هو النجاح. أما الإشارة الكبرى، فهي أن الكلية لا تخرج عالِمًا في العقيدة إن لم يُجِب عن سؤالٍ واحد: "هل تغيّرت أنت بعد هذا الدرس؟" فإن قال: صرت أخاف الله أكثر. قيل له: لقد بدأت تفهم. وإن قال: ازدادت معلوماتي، لكني كما أنا. قيل له: ما زلت بعيدًا، فالعقيدة لا تُعلِّمك الله، بل تُعيدك إليه. لم نكتب هذا النص لنعاتب أحدًا، ولا لندين جيلًا، ولا لنعلن طهرًا نُقابله بالاتهام، بل كتبناه لأننا نؤمن أن شيئًا ما قد فُقِد، لا في الكتب، بل في اللقاء، لا في العناوين، بل في الخشوع، لا في المتن، بل في القلب، وأن هذا الشيء — مهما بدا ضئيلًا — هو وحده ما يجعل من درس العقيدة درسًا، ومن المعلّم رسولًا، ومن الطالب ساجدًا خفيًا في داخله، لا طالبًا في صفّ. نكتب لا لأننا نعرف، بل لأننا خفنا أن نموت دون أن نسأل: أين الله في مدرجاتنا؟ لماذا لم نخشع له حين قرأناه؟ لماذا خرجنا من درس صفاته كما دخلنا؟ لماذا لم نرتعد حين سمعنا "الرحمن على العرش استوى"؟ لماذا لم تُقلقنا جملة "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"؟ ولماذا لم نرَ في "وكان الله غفورًا رحيمًا" أكثر من جملة لغوية محفوظة؟ لقد آن أن نعترف، لا كإدانة، بل كعودة: أن مادة العقيدة كما تُدرّس اليوم، مهما احتشدت لها النيات، وأُحكِمت لها العبارات، وتراكبت لها الشروحات، فإنها — في أغلب حالاتها — تُدرس دون أن تُنير، وتُلقّى دون أن تُشعّ، وتُقال باسم الله، لكن دون أن تُوصل إليه، لأن الله لا يُدرَّس كتاريخ، ولا يُدخل القاعة مع فهرسة الصفات، بل يدخل حين ينكسر القلب، ويخجل العقل، وتذوب المفاهيم، ولا يبقى إلا الرجاء. إننا لا نطلب من كليات الدراسات الإسلامية أن تعيد اختراع الدين، بل أن تعيد الرجفة، أن تعيد السكوت بعد تلاوة آية، أن تعيد السؤال الذي يُقال خافتًا: هل هذا هو الله؟، أن تسمح للدرس أن يُبطئ حين يكون في حضرة اسم من أسماء الله، وأن تفتح المجال للحظة خشوع، كما تفتح المجال لسؤال منطقي، وأن تعتبر أن الطالب الذي بكى في الدرس قد فهم، حتى لو لم يُجب في الامتحان، وأن تُعيد تعريف النجاح بأنه "قرب"، لا "درجة"، "تبدُّل"، لا "تفوق"، "دمعة صادقة"، لا "حفظ دقيق". إننا لا نريد مادة جديدة، بل ولادة جديدة للمادة. ولا نريد حذف الماضي، بل نريد أن نتنفس من جديد داخله. ولا نريد أن نكون على صواب، بل أن نكون… صادقين. فإن نحن نجحنا في أن نقترح درسًا واحدًا، فقط درسًا واحدًا، يجعل الطالب ينظر إلى الله كما لو أنه يراه لأول مرة، ويقرأ "الرحيم" وكأنها كُتبت له وحده، ويخشى الله لا لأنه تعلم ذلك، بل لأنه أخيرًا… عرفه، عندها فقط، نكون قد أنقذنا العقيدة، لا من الضلال، بل من النسيان. ولعل الله، وهو العليم بنياتنا، يتقبّل من هذا الكلام ضعفه، وينفخ فيه من رحمته، ويجعله سببًا لدرس، لمدرّس، لطالب… يُولد من جديد في حضرة الله.