حين تُهدم العائلة ويُبنى الوعي

خديجة صبري

لم يكن الطلاق مجرد ورقة تُطوى في محكمة بعيدة، بل زلزالًا صامتًا وقع في قلب فتاة لم تُستأذن في انهيار السقف، ولم تُعطَ وقتًا لتفهم كيف أن البيت الذي كان يشبه العالم كله صار فجأة حفرة بلا جدران. كانت الساعة تمضي في تلك الأيام لا بالوقت، بل بعدد الأنفاس الثقيلة التي تُكتم كي لا تنكسر الأم أكثر، وبعدد الخطوات المرتجفة التي تمشي بها البنت إلى المدرسة، لا لتتعلم، بل لتنسى، ولو قليلاً، أن الأب لم يعد هناك.

الانهيار الحقيقي لم يكن في المحكمة، بل في تلك اللحظة التي عرفت فيها أن العائلة — كما عرّفوها لها — لا تبقى عائلة دائمًا، وأن “إلى الأبد” عبارة يكتبها الشعراء، لا الآباء، وأنها، رغم أنها لم تخطئ، ستدفع الثمن كله، وأن الخوف الذي كان من المفترض أن يُحاط به صدرها، صار الآن رفيقها الوحيد في الليل.

كان كل شيء يتغير من حولها بسرعة: الناس يهمسون، الأم تبكي ثم تمسح دموعها كي لا تراها، الجيران يتساءلون، والدفاتر البيضاء صارت ثقيلة، لا بسبب الحبر، بل بسبب الغياب. وكان كل ما تحتاجه — في لحظة لا تُشرح — أن يحتضنها أحد ويقول لها: “أنا معكِ”، لكن لم يقل أحد، لأن لا أحد ظنّ أنها تُريد، ولأن الطفلة — حين تصمت — يظن الكبار أنها تفهم، بينما هي في الحقيقة تحترق.

لم يكن الانهيار الأول موتًا، بل نداءً خفيًا من المجهول: “هل ستقفين؟”، وكانت، دون أن تدري، قد أجابت: نعم.

هذا أول درس في الجامعة التي لم تُسجَّل فيها، الجامعة التي تُدرِّس بالصدمات، وتمنح شهادتها بالنضج، لا بالأوراق، وكان عليها — منذ ذلك اليوم — أن تبدأ مشوارًا من نوع مختلف: مشوار امرأة لم يُمنح لها شيء، فصارت تصنع كل شيء بدمعتها، بصبرها، وبنداءٍ داخلي لم تسمعه من أحد، لكنه كان يقول لها في كل مساء: “أنت الآن تُولدين، فهل ستكملين الطريق؟”

في اللحظة التي انهار فيها البيت، لم تنهَر الطفلة فقط، بل انهارت كل هندسة الطفولة، تلك التي كانت تفترض وجود جدارين: أحدهما يمسك الحياة من الأعلى، والآخر يسندها من الأسفل، فإذا بالجدارين يتهدّمان معًا، لا دفعة واحدة، بل بكيفية تجعل الطفلة تمشي بين الحطام كل يوم، تبحث عن شيء يُرمَّم، عن ضلع لا يؤلم حين تنحني عليه، عن صوت يقول لها: “لا تقلقي… أنا هنا”.

لكنها لم تجد سوى وجه أمٍّ تخفي دموعها في المطبخ، وظهرٍ أنهكه الصبر، وخوفًا لا يُقال، بل يُطبَخ مع العشاء ويُقدَّم على مائدة من الصمت. حينها، شعرت أن الوقت لا يسير كما يقول الناس، بل ينكمش ليُربّي البنت في سرعة لا تُحتمل، وفي ظلم لا يُشرَح، وفي وجع لا يشكو، وجع لا يأتي من الألم، بل من الحاجة إلى أن تبقى قوية… من أجل الأخرى.

وهكذا، كانت تخلع ثوب الابنة دون أن تدري، وترتدي رداء الأم دون إذن، كانت تُربّي أمّها في التفاصيل الصغيرة، تُمسك يدها حين تضطرب، تُخبّئ عنها قلقها كي لا تُضيف قلقًا إلى قلبها، تضحك حين يكون الصمت مرًا، وتشتغل كي لا تشعر الأم أن العوز صار سيدًا.

في تلك الأيام، لم تكن الأنثى تنضج لأن الهرمونات قالت ذلك، بل لأن الحياة صفعتها على وجهها وقالت: “أنتِ الآن الكبيرة”، وصارت البنت — قبل أن تتعلّم كيف تُحب — تعرف كيف تحمي، وقبل أن تتدرّب على الكلام الجميل، تتقن لغة الصبر، وقبل أن تُجرّب الحلم، تعرف كيف تُطفئ الجوع.

كانت تقف أمام أمّها كأنها تعتذر دون كلام: “سامحيني لأن العالم خانك، لكنني لن أخونك”، وكانت تمشي إلى العمل ليس لأنها تريد، بل لأنها لا تملك رفاهية أن تبقى في مكانها. كانت تتقن — دون أن يُدرّبها أحد — تفاصيل ميزانية البيت، ومواعيد الدفع، ومشاعر أمّها التي تكتم، وكانت — رغم تعبها — تشعر أنها بدأت تُحب هذه المسؤولية، لأنها فيها تحفظ أمّها، وتحفظ نفسها من أن تتفتّت.

وكانت، كل ليلة، تسأل الله أن يحفظ أمها من أن تكسرها الحياة مرّة أخرى، لأنها تعرف جيدًا ما يعنيه أن تُكسر الأم… تعرف من الداخل، من تلك الزاوية التي لم يسأل عنها أحد من جهة الأب، من تلك الطفولة التي أُجهضت بصمت، من ذلك السؤال الذي لم يُجب عليه أحد: “أين كان الجميع حين كانت البنت تتحوّل إلى أم؟”

في كل شجرة نسب، هناك أغصان لا تثمر، وأحيانًا… هناك جذور لا تسقي، وقد تظن الطفلة، في بداية الانهيار، أن الأب وإن غاب، فإن الشجرة ستمتدّ في عمٍّ أو عمّةٍ، في جدٍّ أو خالةٍ، في أحد ما من ذلك الامتداد الذي يقال عنه “أهلك”، لكنها حين مدت يدها، لم تلقَ إلا الهواء، لا لأنها لم تكن ذات قيمة، بل لأن تلك العائلة — إلا من رحم رُقيّه الله — كانت تعيش وهْمًا بأن النسب عاطفة فطرية، بينما هو في الحقيقة التزام أخلاقي، وإذا غاب الالتزام، غاب الحنان، وغاب السند، وغاب العدل.

لم تكن الطفلة تطلب شيئًا كثيرًا، فقط أن يسأل أحدهم: هل أكلت؟ هل تذهب إلى المدرسة بثياب تليق بها؟ هل تتألم من شيء لا تقوله؟ هل تفهم لماذا سقط البيت فجأة؟ هل تحتاج أن نتحدث قليلًا كأننا بشر من نفس الدم؟ لكنها لم تسمع إلا الصمت، أو الأسوأ من الصمت: ذلك الوعظ الجاف عن رضا الوالدين، وكأنهم لم يسمعوا بكاءها لسنوات.

هي لا تكره أحدًا، لكنها تعبت من أن تكون المتّهمة دائمًا، تعبت من أن تتحمّل نتائج تاريخ لم تصنعه، وأن تُطلب منها ديون لم تقترضها، وأن يُحاسبها الذين غابوا يوم احتاجت نظرة حنان، وكأنها مدينة لهم بشيء سوى الغفران.

لم يكن ذلك التحوّل حدثًا واحدًا، ولا قرارًا واعيًا، بل زحفًا صامتًا للزمن، ينسلّ من بين اللحظات اليومية ليُعيد تشكيل المسرح العاطفي بأكمله، ففي اللحظة التي وقفت فيها الأم مذهولة من الطلاق، خائفة، منكسرة، تحاول أن تُخفي رجفتها وتُقنع نفسها أن كل شيء سيكون بخير، كانت البنت — تلك المراهقة — تُعيد ترتيب الداخل، دون أن تدري، فتبدأ شيئًا فشيئًا بالتصرّف لا كابنةٍ تنتظر الحنان، بل كأمّ تُعطيه، لا كطفلة تُربّى، بل ككتفٍ يُستند عليه، لا كمن يشتكي، بل كمن يواسي، ويشدّ الحبل لكي لا تسقط الخيمة.

وهكذا بدأت القلوب تتبادل الأدوار دون إعلان، فصارت الطفلة هي من تهدّئ الارتباك، وهي من تسأل عن المواعيد، وهي من تدبّر التفاصيل، وصارت الأم تنظر في عينيها، وتُسائل نفسها دون أن تقول: “من هذه التي تكبرني؟”، لكنها كانت تعرف أن الملامح التي تراها ليست ملامح بنتها فقط، بل ملامح امرأة تولّت عنها ما لم تستطع أن تتحمّله وحدها، وما كان ينبغي أصلًا أن يُحمّل لكتف صغيرة.

ومع الوقت، لم تعد الطفلة تنتظر من يعتني بها، بل صار في داخلها برنامج غير مرئي للرعاية، يستيقظ قبلها، يخطط قبلها، يتحمّل بدلًا عنها، لأن الحياة، حين تضرب بهذا العنف، لا تمنحك خيارًا في النضج، بل تدفعك نحوه دفعًا، حتى ولو كنتِ ما زلتِ تكتشفين نفسك.

ولم يكن هذا الانقلاب سهلًا، بل مريرًا، مؤلمًا، يكسر شيئًا ناعمًا في الداخل، لأن البنت التي كانت تنتظر حضنًا، أصبحت حضنًا، والتي كانت تحلم أن يقال لها “لا تقلقي”، أصبحت تقولها، والتي كانت تحتاج من يُعلّمها، أصبحت معلّمة في مدرسة التجربة، بلا أدوات، بلا تدريب، لكنها بالفطرة، كانت تعرف أن أحدًا ما يجب أن يُنقذ هذه العائلة من السقوط النهائي، ففعلت.

وهنا فقط، يبدأ البناء من الصفر، ليس في الراتب، ولا في الاستقرار، بل في تلك الروح التي قررت، وسط العاصفة، أن تحوّل الخوف إلى حماية، والتعب إلى حنان، والخذلان إلى درس، ثم مشَت… بثقل كل الأدوار، لكنها مشَت.

لم تكن تشبه فتاة العائلة، ولا تشبه النموذج المفضل في الأعراس، ولا في الخطب، ولا حتى في أحلام الذين يعتقدون أن المرأة تنضج حين تتزوج، وتكتمل حين تُطيع، وتُحترم حين تُحني رأسها أمام الأب، ولو غاب، ولو جفّ، ولو لم يعرف حتى كم عمرها حين احترقت بنار المرحلة. لم تكن تشبه نموذج البنت الناجحة أكاديميًا، ولا النموذج المتمرد كما في الأفلام، بل كانت شيئًا بين الاثنين: امرأة تتشكل خارج كل وصف، داخل صراعها الخاص، داخل ارتباكها الهادئ، داخل قدرتها العجيبة على البقاء بلا وصف، وبلا تعريف، لكنها مع ذلك تنحت هويتها كما يُنحت الصخر: بضربات مؤلمة، لكنها صادقة.

لم تُرد أن تكون ضحية، ولم تُرد أن تبرّر نفسها لأحد و قررت أن لا تجلد، ولا تنتقم، لكنها لن تسمح لأحد بأن يسحب من يدها شرعية صمودها، أو يُعيد تعريف البرّ على مقاس الجاهزين، لأن البرّ لا يعني إنكار الجرح، ولا يعني أن تحني ظهرك ثانيةً لأجل صورة اجتماعية بلا روح. البرّ لا يعني أن تنسى من كنت، بل أن تُصافح كل شيء فيكِ: القوية، والمجروحة، والناجية، لا لتفتخري، بل لتواصلي.

وهكذا، تبدأ هذه الهوية في الاكتمال، لا لأنها اختارت نمطًا جديدًا، بل لأنها خرجت من بين الأنماط، تمشي وحدها، لا خلف قطيع، ولا ضدّه، تمشي في طريق تصنعه بقدمين داميتين، لكن بثبات امرأة… تعرّفت على نفسها في زمن لم يُعطِها أحد خارطة.

لم تكن تضع في حقيبتها أي مرآة، لأنها لا تملك وقتًا لإصلاح ما يُكسَر في الوجه كل يوم، ولم تكن تتوقف أمام واجهات المحلات لتتأمل شكلها، لأن شكلها الحقيقي لا يظهر في الزجاج، بل في صبرها الطويل حين تُقرِّر أن تبتسم رغم كل شيء، حين تُخفي فواتير القلق خلف حركة يدٍ واثقة، وحين تقول “لا بأس” وهي تغالب ارتجافةً خفية في صوتها.

كانت تشتغل، لا لتصعد، بل لتُبقِي الحياة واقفة على قدميها، كانت تخرج من بيتها وفي جيبها نصف نقود الشهر، لكنها كانت تُشبه الملوك حين تمشي، لأن الكرامة، حين تسكن إنسانًا، تُغيّره حتى وإن لم يتغيّر شيء من الظروف. وكانت تعود منهكة، لا من العمل وحده، بل من التمثيل طوال النهار أنها بخير، من كثرة ما خافت أن تنكسر في وسط الشارع، من حجم ما تحمّلته بصمت، ومن كل مرة قالت فيها “أنا قادرة”، وهي لا تدري إن كانت ستصمد يومًا آخر.

في مثل هذه اللحظات، لا تُمنح لها أوسمة، ولا تكتب الصحف عن صبرها، ولا تلتفت العائلة لتقول: “كم نكبر بكِ”، لكنها كانت تعرف… كانت تعرف أن هناك سماء ترى، وأن هناك حسابًا لا يُكتب على الورق، ولا يُعلَن في الجمع، لكنها كانت تؤمن به… تؤمن أن الله يعدّ كل دمعة لم تُرَ، ويحسب كل خطوة مشتْها دون أن تتذمّر، ويعلم عدد المرات التي قالت فيها “أنا بخير” حتى لا تُقلق أمّها.

الكرامة الحقيقية لا تظهر في المناسبات، بل في الأوقات التي لا يُصفّق فيها أحد، في لحظة تَرفع رأسها وهي تمشي في شارعٍ لا أحد فيه يعرف قصتها، لكنها تمشي كمن يعرف أن الحياة، رغم كل ما فعلت، لم تنتزع منها جوهرها.

خاتمة: لمن مشَت وحدها، ولم تُصفّق لها الحياة
ولأننا لم نختر طفولتنا، ولا شكل الألم الذي زارنا باكرًا، ولا حجم الفقد الذي سكننا دون إنذار، فإننا لا نُلام حين بكينا، ولا حين تساءلنا لماذا لم يهتموا، ولا حتى حين تمنّينا أن نولد في بيت آخر، بجانب أبٍ آخر، في حياةٍ لا تكلّفنا كل هذا النضج المبكّر.

لكننا — مع ذلك — نُكافأ، لا بطريقة تشبه الأفلام، ولا كما تتوقّع الروح المتعبة، بل نُكافأ بأن نكتشف أنفسنا فجأة، بعد سنوات، فنجد أننا كنّا نبني شيئًا لم نرَه في حينه، نكتشف أن كل لحظة وهنٍ قد زرعت فينا عضلة لا تُرى، وأن كل مساءٍ عدنا فيه دون أن ننهار، كان لبنةً في صرح لم يُبَنَ ليتباهى، بل ليتماسك.

وهكذا، نفهم أن المرأة لا تولد حين تُحتفَى، بل حين تصمد بصمت، حين ترمم نفسها دون معلم، وتحبّ نفسها دون دليل، وتربّي أمّها دون ضجيج، وتمشي في الحياة دون أن تتخلّى عن إنسانيتها، حتى لو قال الجميع إنها يجب أن تُقسى.

ولمن تسير الآن في طريقٍ يشبه هذا الطريق: لا تنتظري التصفيق، ولا تبحثي عن من يفهم فورًا، فقط اثبتي… لأنك، دون أن تدري، تصنعين امرأة… ما رآها العالم بعد، لكنها حين تظهر، ستجعل الوجود كلّه يقف احترامًا، لا لأنك ربحتِ، بل لأنك بقيتِ.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )