المساء اليوم - متابعات: كثيرون سمعوا اسم "سلطان باليما"، هذا اللقب المبهم الذي ظل في أذهان الناس مُلتبسا ويرمز إلى مزيج من الذكاء والاحتيال. هذا اللقب اكتسبه صاحبه بعد مجهود كبير، في النصب والاحتيال طبعا، وكان مقره شبه الدائم مقهى "باليما" الشهيرة المقابلة للبرلمان، أيام كانت مقاهي الرباط تعد على رؤوس الأصابع. الاسم الرسمي لسلطان باليما هو محمد بن عبدالسلام الوزاني، والذي استمر طوال عقود، يحتال على كثيرين من الفقراء والأغنياء على حد سواء، وتقول بعض الروايات إن شخصيات وازنة من عالم المال والسياسة بالمغرب كانت من بين ضحاياه. استغل الوزاني، أو سلطان باليما، وجوده في العاصمة الرباط لكي يؤكد نظرية أن العاصمة تجد الحلول لكل شي، في وقت كان الناس حديثي عهد بالاستقلال، وأيضا غير متعودين على سُبل النصب والاحتيال المتطورة. ذاع صيت "سلطان باليما" كرجل صاحب نفوذ وله علاقات مع أجهزة الدولة، ساعده في ذلك حرصه الكبير على العناية بمظهره المخزني، والسيارة الفارهة التي يملكها، ومن الأكيد أن الرجل لم يكن يعدم الكثير من العلاقات النافذة. لم يولد "سلطان باليما" في الرباط، بل قصدها شابا من نواحي وزان الجبلية، على غرار كثير من شباب المدن الصغيرة والمهمشة، الذين كانوا يبحثون عن مكان تحت الشمس في "عاصمة الاستقلال". كان ابن وزان يتمتع بشخصية قوية ولافتة، وهذا ما ساعده كثيرا على الإيقاع بضحاياه. ومنذ استقلال المغرب عن الفرنسيين وحتى تسعينات القرن الماضي، مارس "سلطان باليما" هواية الاحتيال بكثير من الجدية والرصانة. كان المكان المفضل للوزاني هو مقهى "باليما" الشهير أسفل الفندق الذي يحمل الاسم نفسه. يضع أمامه فنجان قهوة أو كأس شاي، وينتظر ضحاياه الذين يقصدونه سعيا وراء خدمات كثيرة حيث يقنعهم بقدرته على تلبيتها، وما ساعده على التفوق في الاحتيال هو أن كثيرين يقصدونه من خارج الرباط. كان سلطان باليما يقدم نفسه بأكثر من صفة، فهو ابن دار المخزن وهو نجل عائلة ثرية وهو صاحب العلاقات الأسطورية وهو الذي يدخل القصور من دون استئذان. هناك عشرات الحكايات المثيرة التي تروج عن سلطان باليما، وكيف باع ما لا يباع، مثل مدافع أثرية وحافلات عمومية وتنصيب الطامحين وزراء ومسؤولين، مع وقف التنفيذ طبعا، لكن من الأكيد أنه ليس كل ما يقال عنه صحيح. كان الوزاني يستهدف الأغنياء أساسا، لأنهم يدفعون أكثر، لكنه لم يكن يفلت أيضا أصحاب المظلوميات البسيطة القادمين إلى الرباط من كل حدب وصوب. يقال إن احتيال "سلطان باليما" بلغ أسماع الملك الراحل الحسن الثاني، فاستدعاه ليسمع حقيقة قصصه المثيرة للدهشة، ثم أدين بالسجن النافذ بتهم النصب وانتحال صفة، وأمرته المحكمة بعدم ارتداء الملابس المخزنية. بعد خروجه من السجن، توارى الوزاني فترة من الزمن، ثم ظهر بالزي الأوربي الأنيق، واختار مقهى آخر في العاصمة ليستأنف نشاطه المفضل في النصب والاحتيال، ومرت الأيام والأعوام، حتى صار نسْيا منسياً، لكنه خلف وراءه جيلا أخطر من المحتالين والنصابين، يبدو أمامهم "سلطان باليما" وكأنه تلميذ ساذج.