عبد الله الدامون damounus@yahoo.com في شاطئ مقابل لإقامة فارهة على الطريق الرابطة بين تطوان وسبتة، تجتهد امرأة آسيوية في العناية بأطفال مدللين يوزعون وقتهم بين السباحة والبكاء ورمي أي شيء على الرمال. المرأة ترتدي، تحت شمس لاهبة، كامل ملابسها وعدّتها التي تدل، سرا وعلانية، على أنها خادمة، وقربها "السيدة" أم الأطفال التي ترتدي قطعتين خفيفتين وتسترهما برداء شفاف وتمضي وقتها بين الغطس في المياه الباردة واللهو بالهاتف. إنها واحدة من المظاهر التي صار أغنياء آخر ساعة بالمغرب يقبلون عليها، وهي اقتناء خادمات آسيويات، من الفلبين في الغالب، كعلامة على فائض النعمة، التي يعرف الجميع من أين فاضت، من مال عام أو حشيش. وفي شوارع مدن الشمال الشاطئية يجتهد أصحاب السيارات الفارهة المرقمة في الرباط والدار البيضاء في إثارة الانتباه، ويسرعون كثيرا ويطلقون الأبواق على أي سيارة تقترب منهم، متخلفون لا يحترمون ممرات الراجلين ويتجاوزون الجميع ويحرّكون الأضواء كثيرا تحت ضوء الشمس حتى تبتعد السيارات عن طريقهم وكأنهم غير معنيين بتحديد قوانين السرعة.. وربما تتحدث مشاعرهم العميقة حتى يبعدوا "الأوباش" عن طريقهم.. وكأنهم يقولون "نحن هنا".. بينما يتداول السكان الحكمة القائلة "باش كان عايْش بلاّرْج....".. إلى آخره. في موانئ المنطقة الكثير جدا من اليخوت والكثير جدا من الدراجات المائية والكثير جدا من الإصرار على كشف أماكن الثروة. الطريق بين تطوان وسبتة مليء بإقامات فخمة يمكن كراء الليلة الواحدة فيها بنصف مليون سنتيم، وهناك فيلات مجاورة يمكن كراؤها بمليوني سنتيم لليلة الواحدة. لا تسألوا من أين يأتي هؤلاء الملاعين بالمال.. بل اسألوا عن جيوبكم من ينهبها..! لكن الوضع على الشواطئ يبدو أقل قتامة من الماضي، لأنه يمكن للجميع أن يسبح في أي مكان، بعدما كانت الشواطئ الخاصة ممنوعة على عموم الناس، وكأن أصحابها أرادوا أن ينافسوا الإسبان في سبتة المجاورة، ويحتلوا بدورهم شواطئ عمومية.. مع أن شواطئ سبتة متاحة للجميع. وبين كل هذا، وفي كل مكان، هناك الكثير جدا من السيارات، الجديدة في الغالب، أصحابها ليسوا بالضرورة أغنياء، والمطاعم الغالية وشبه الرخيصة مزدحمة جدا، والجميع يأكلون بنهم ويدفعون "كاش".. من حق المرء أن يتساءل: أين اختفى الفقراء..!؟ مظاهر التفاخر بالغنى الفاحش ينقلها "أغنياء الحرب" في المغرب إلى الجنوب الإسباني، حيث السيارات الفخمة المرقمة في المغرب موجودة في كل مكان، وحيث الشوبينغ المحموم في أوجه، وحيث "عْيالات" المجتمع المخملي يتصرفن وكأنهن حريم بابلو إسكوبار، وحيث يتحول الإسبان إلى مجرد كائنات مندهشة أمام كل هذا الغنى الفاحش القادم من نفس البلد الذي تأتي منه الباطيرات محملة بالمهاجرين السريين البؤساء. لا أحد يفهم كيف يتناسل الفقر والغنى بصوره المفجعة في بلد واحد، ولا أحد يصدق أخنوش حين يقول إنه يؤسس للدولة الاجتماعية، وهو مصطلح لا أحد يفهم معناه، اللهم إذا كان معنى "الاجتماعية" هو اجتماع الفقر المدقع والغنى الفاحش في بوتقة واحدة. في كل الأصياف تتفجر المكبوتات بين من يفترش ملاييره ليتباهى بها، وبين من يفترش عاهاته ليتسول بها، مثلما يحدث في منطقة الفنيدق، المحاذية لسبتة، التي تسمى "جمهورية الفوضى" حيث يعتاش الجميع من الفساد الرهيب، وتجتهد السلطات في تحويل أول نقطة من المغرب يعبرها القادمون من "سبتة الأوربية" إلى وصمة عار..! في هذا المكان العجيب، بين تطوان وسبتة، يتنافس المسؤولون الفاسدون مع مهربي المخدرات في إنشاء إقامات حالمة تؤكد أن القانون موجود لكي يتم اغتياله. صيف هذا العام كان مثيرا أيضا في مظاهر الاستعراض المريض للغنى الفاحش، حين قرر شخص يدعى موسى، من منطقة لم يسمع بها أغلب المغاربة، تسمى ازغنغن، لكي يخبرنا عن واحد من الأمكنة التي توجد بها الثروة..! لا نعرف أين كانت عيون المقدمين والقياد والباشوات والعمال في المرحلة التي تحول فيها موسى من شخص لا يملك قوت يومه إلى رجل له من الأتباع أكثر مما للنبي موسى..! لكن في المغرب الكثير جدا من "موسى" الذين غرفوا ثرواتهم من المال العام والحشيش.. أو منهما معا.. وكل هؤلاء لا يزالون يتصرفون بمنطق ملوك الطوائف.. أو على الأقل، يتمتعون بالحكم الذاتي المدعوم من الأمم المتحدة. من حسن الحظ أن الصيف يتكرر مرة في السنة بظواهره المثيرة والمقززة، فحرارة الصيف تكشف أماكن النتانة والمرض في مجتمع يغرق كل يوم أكثر في مستنقع فساد متغوّل لا يخشى أحدا.