المساء اليوم - مرتيل: لا يمكن قراءة فيضانات مرتيل، بشكل خاص، أو تلك التي شهدتها المناطق المجاورة خلال السنوات الأخيرة، بمعزل عن التراكمات السابقة التي راكمتها المدينة على مدى سنوات، سواء على مستوى التوسع العمراني غير المتوازن، أو تأخر إنجاز مشاريع هيكلية قادرة على مواكبة التحولات الديموغرافية والمناخية المتسارعة. معاناة مرتيل مع أول موجة أمطار استثنائية ليست وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات البنيوية التي تراكبت فوق بعضها إلى أن بلغت نقطة الانكشاف. ويقول مختصون في التخطيط الحضري والهندسة الهيدرولوجية إن شبكات تصريف مياه الأمطار في مدن ساحلية كمرتيل صُممت، في مراحل سابقة وفق معايير لم تعد ملائمة للضغط العمراني الحالي، ولا للوتيرة الجديدة للتساقطات المطرية. وهو ما جعل أجزاء واسعة من المدينة، خصوصا الأحياء المنخفضة والمناطق القريبة من مجاري مائية طبيعية قديمة، أكثر هشاشة أمام أي تساقطات كثيفة، مهما بلغت سرعة التدخل أو حجم الإمكانيات المسخرة. في هذا السياق، تكتسي فيضانات فبراير 2026 بشكل عام طابع “الحدث الكاشف” أكثر من كونها حادثا استثنائيا معزولا ، إذ أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول مسؤولية المجالس المتعاقبة، ومخططات التهيئة التي لم تراجع في الوقت المناسب، وقرارات عمرانية سمحت بالبناء في مناطق معروفة تاريخيا بقابليتها لتجمع المياه، دون توفير بنى تحتية موازية قادرة على امتصاص الضغط المتزايد. وفي خضم هذه الظرفية المعقدة، لا يمكن إغفال طبيعة التدخلات الميدانية التي باشرتها جماعة مرتيل، بتنسيق مع السلطة المحلية، منذ الساعات الأولى لاندلاع الفيضانات، إذ انصب هذا التدخل على توحيد الجهود المتاحة، وتسريع عمليات تصريف المياه بالنقاط السوداء الأكثر تضررا، وضمان حضور ميداني مستمر لتتبع تطورات الوضع عن قرب، بعيدا عن منطق البلاغات أو الادعاء بالتحكم في أزمة تتجاوز في جوهرها إمكانيات التدبير الآني. ووفق مصدر مطلع فإن هذه التدخلات، على أهميتها، اصطدمت بحدود موضوعية فرضتها اختلالات تعود إلى سنوات، بل إلى عقود، من التدبير الحضري غير المتكامل، وهو ما يؤكد أن المعالجة الآنية، مهما بلغت درجة تعبئتها، تظل غير كافية في غياب حلول هيكلية قادرة على تفكيك أسباب الهشاشة من جذورها. ويرى متتبعون أن الإقرار بوجود هذه التراكمات لا يعني تبرير العجز أو تعليق المسؤولية، بقدر ما يشكل مدخلا ضروريا لإعادة ترتيب النقاش العمومي على أسس واقعية. فعدد من الدول الأوربية، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، التي راكمت بدورها اختلالات عمرانية خلال فترات سابقة، تجد نفسها اليوم عاجزة عن التحكم الكامل في الفيضانات المفاجئة، رغم ما ضخته من استثمارات ضخمة لتدارك أخطاء الماضي. ويبدو أن الرهان الحقيقي المطروح اليوم أمام جماعة مرتيل لا يقتصر على تدبير الأزمات عند وقوعها، بل يتجاوز ذلك نحو تفكيك هذا الإرث المتراكم، عبر مراجعة شاملة لمخططات التهيئة، وإعادة الاعتبار للبعد البيئي والهيدرولوجي في كل قرار عمراني، وربط المسؤولية بالمحاسبة في ما يتعلق بالتراخيص السابقة التي ساهمت في تعميق الهشاشة المجالية. الفيضانات التي اجتاحت مرتيل وسائر ربوع المملكة ليست أحداثا عابرة، بل نتيجة تراكمات عمرانية وبنيوية لم يُعالج أمرها في وقتها. واليوم، تفرض هذه التجربة على الجميع—سلطة ومنتخبين وخبراء—الانتقال من تدبير النتائج إلى معالجة الأسباب، لضمان تفادي تكرار نفس السيناريو مع كل موسم مطري قادم.