عملية للدرك الملكي تُفكك خلية “مروحية المخدرات” بين طنجة وواد لو

المساء اليوم – تطوان:

 

لم يكن تحليق تلك المروحية على علو منخفض فوق تخوم فحص أنجرة وضواحي طنجة مجرد حركة جوية عابرة، بل كان مؤشرا أوليا على محاولة جس نبض المجال السيادي للمملكة عبر مسلك غير مألوف في شبكات التهريب الدولي.

 

من هنا بدأ الخيط الأول في واحدة من أكثر القضايا إثارة خلال الأسابيع الأخيرة.

 

وفي عملية أمنية وُصفت بالدقيقة والنوعية، تمكنت الفرقة الجهوية للأبحاث القضائية للدرك الملكي بطنجة، بتنسيق محكم مع الفرقة الجهوية للأبحاث القضائية بتطوان وسرية الدرك الملكي بواد لو، من توقيف أربعة مشتبه فيهم، ثلاثة بمدينة طنجة وآخر بمنطقة واد لو، على خلفية الاشتباه في تورطهم في محاولة تهريب دولي للمخدرات باستعمال مروحية خفيفة.

 

المعطى الأول الذي فجر التحقيق كان رصد مسارات تحليق غير اعتيادية، اتسمت بالانخفاض والتكرار فوق مناطق فلاحية بعينها. هذا السلوك الجوي، في منطقة تخضع عادة لمراقبة دقيقة بسبب حساسيتها الجغرافية وقربها من الواجهة المتوسطية، عزز فرضية وجود نشاط غير مشروع. لم يكن الأمر يتعلق بطائرة ترفيهية أو تحليق عرضي، بل بمسار مدروس يتقاطع مع نقط أرضية محددة، ما استدعى فتح أبحاث متعددة المستويات.

 

وفي هذا السياق، كانت جريدة “المساء اليوم” سباقة إلى تسليط الضوء على خيوط هذه الجريمة، حيث نشرت معطيات أولية حول التحليق المشبوه والارتباط المحتمل بمناطق فلاحية قرب فحص أنجرة تعود ملكيتها لشخص ذي سوابق في الاتجار الدولي للمخدرات.

 

هذا المعطى الإعلامي ساهم في وضع القضية تحت مجهر الرأي العام، تزامنا مع تقدم الأبحاث الميدانية.

 

التحقيق انتقل سريعا من الرصد التقني إلى التحليل الميداني، حيث جرى تفريغ المعطيات المرتبطة بخطوط التحليق ومقارنتها بتحركات أرضية موازية، مع تمشيط للنقاط التي يُحتمل أن تكون قد استعملت كنقط إقلاع أو هبوط تكتيكية. واعتمد المحققون مقاربة علمية في تحليل مسرح الأحداث، قائمة على تتبع الأثر وربط المعطيات الرقمية بالمؤشرات الميدانية، انسجاما مع القاعدة الجنائية التي تفيد بأن كل احتكاك يترك أثرا.

 

ومع تضييق دائرة الاشتباه، كشفت المعطيات المتراكمة أن الأمر يتجاوز مبادرة فردية معزولة، ليرجح فرضية وجود شبكة منظمة حاولت اختبار مسلك جوي بديل عن المسالك البحرية التي أصبحت تحت رقابة لصيقة منذ سنوات، خاصة بعد الضربات المتتالية التي وجهها الدرك الملكي لشبكات التهريب بالشريط الساحلي لتطوان منذ سنة 2022.

 

هذه الضربات دفعت التنظيمات الإجرامية إلى البحث عن تكتيكات جديدة أقل عرضة للرصد التقليدي، ولو اقتضى الأمر استعمال وسيلة جوية خفيفة بأساليب مستحدثة بمناطق أخرى.

 

ووفق المعطيات الأولية المتوفرة، فإن من بين الموقوفين بمنطقة واد لو شخصا يُدعى “م”، ينحدر من طنجة، يشتبه في احتمال اضطلاعه بدور على مستوى التنسيق اللوجستي وتأمين بعض النقاط المرتبطة بالتحركات المفترضة، مع التأكيد أن المعني بالأمر يبقى في وضعية مشتبه فيه إلى حين استكمال البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

 

وتم وضع الموقوفين الأربعة تحت تدابير البحث القضائي قصد تحديد الأدوار المفترضة لكل واحد منهم، والكشف عن أي امتدادات محتملة داخل المغرب أو خارجه.

 

كما شكلت الخبرات العلمية والتقنية المنجزة على الوسائط المحجوزة نقطة ارتكاز مهمة في مسار التحقيق، بعدما مكنت من استخراج معطيات رقمية يشتبه في ارتباطها بشبكة تنشط في التهريب الدولي للمخدرات، يرجح أنها كانت تراهن على نقل شحنات نحو السواحل الإسبانية عبر مسار جوي منخفض لتفادي الرصد البحري المكثف.

 

التحول النوعي في هذه القضية لا يكمن فقط في عدد الموقوفين، بل في طبيعة الوسيلة المستعملة. فاستعمال مروحية خفيفة ضمن نشاط تهريبي منظم يعكس مستوى من التخطيط والإمكانات اللوجستية والمالية، ويطرح تساؤلات حول مصادر التمويل والدعم التقني، فضلا عن احتمال وجود امتدادات عابرة للحدود.

 

وإذا كانت بعض الشبكات قد راهنت على عنصر المفاجأة عبر “المسلك الجوي”، فإن ما حدث بين طنجة وواد لو يؤكد أن كل محاولة لاختبار يقظة الدولة تقابل برصد استباقي وحسم قانوني.

 

بهذا المعنى، لا تبدو قضية “مروحية المخدرات” مجرد ملف جنائي عابر، بل محطة جديدة في سباق مفتوح بين أجهزة إنفاذ القانون وشبكات عابرة للحدود تحاول باستمرار ابتكار مسالك بديلة.

 

غير أن الثابت، إلى حدود الساعة، أن كل مسلك مستحدث يقابله تطور موازٍ في آليات الرصد والتفكيك.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )