يومٌ خارج المقاييس

خديجة صبري

يوم عرفة ليس من الزمن… بل هو ما تبقى من الزمن بعد أن ينقضي الزمن.
إنه الشقُّ الذي تركته يد الله في نسيج العالم، ليطلّ منه الإنسان على نفسه، بعد أن تعب من الدوران في متاهة الأسماء والصور والوظائف والجنسيات والمذاهب والرايات، ويهمس لنفسه كما لم يفعل من قبل: من أنا؟

عرفة ليس محطة في الجغرافيا، ولا مناسبة في الروزنامة، ولا طقسًا تُستعاد رتابته كل عام كما تستعاد الأعياد والاحتفالات، بل هو النداء الأبدي الذي بدأ قبل خلق الأكوان، حين سُئل الإنسان: ألست بربكم؟
ذلك السؤال الأول، الذي لم يكن سؤالَ معلومة، بل سؤالَ هوية.
ذلك السؤال الذي لا يُطرح إلا على مَن نُفخ فيه من روح الله.
عرفة، هو إعادة عرض لهذا الموقف البدئي، لا أمام جبل، بل أمام مرايا الذات العميقة، حيث لا يستطيع الإنسان أن يختبئ خلف سيرته الذاتية، ولا إنجازاته، ولا نسبه، ولا مذهبه، بل يُطلب منه أن يقف عاريًا كما وُلد: عبدًا فقط.

هو اليوم الذي يعود فيه الإنسان إلى أن يكون إنسانًا.
اليوم الذي يُعلَن فيه الموت المؤقّت لزيف الهوية الاجتماعية، حيث يسقط كل شيء: الملبس، اللغة، المال، الألقاب، الطوائف، وحتى الكلمات.

في هذا اليوم، لا يُعرَف الناس بأسمائهم، بل بدموعهم.
ولا تُوزَن النفوس بعلومها، بل بانكسارها.
ولا يُصنَّف العابدون بحسب فتاواهم، بل بمدى ما تركوه خلفهم من أصنام.

إنه اليوم الذي يُذيب المسافة بين الأنبياء والأتباع، بين المقدّس والإنساني، بين الخوف والرجاء، بين السماء والأرض، حيث لا توجد شعيرة واضحة إلا شعيرة “الوقوف”… الوقوف فقط… بلا صلاة، بلا سجود، بلا خطبة تُشترط، بلا حركة تُفرض.
مجرد الوقوف.

وهل هناك أعظم من هذا التشبيه؟
أن تكون عبوديتك لا حركة تؤديها، بل حالة وجودية، حالة كينونة: أن تقف!
أن تقف أمام الله بلا واسطة، بلا طبقة دينية، بلا منصب، بلا رتوش.
فإن كنت غنيا… فلا شيء يشهد على ما تملكه
وإن كنت فقيرًا… فلا شيء يذكّرك بفقرِك،
لأن الكل واقفون… وكأنهم في انتظار بعثٍ مصغّر.

هذا هو يوم عرفة، حين ينقلب التاريخ في الاتجاه المعاكس،
فلا يعود خطًّا يسير نحو الأمام، بل دائريًّا، يعود إلى الأصل.
ولذلك كان الوقوف في عرفة وقوفًا أمام القيامة، لكنّها قيامة رحمة، لا حساب…
قيامة غفران، لا عقاب.

عرفة، أيها القارئ، ليست مناسبة تُحيى بل روح تُستدعى.
ليست صورة تُصوّر من الطائرات، بل مرآة تتدلّى من الغيب لترى فيها نفسك.

الملائكة في ذلك اليوم لا تكتب، بل تتأمّل.
لا تُسجّل، بل تندهش.
فهم يرون الإنسان كما لم يروه من قبل…
يرونه لا وهو يحارب،
ولا وهو يعاند،
ولا وهو يطلب،
بل يرونه وهو ينسى نفسه في الله.

هذا اليوم الذي يُرعب الشيطان، ليس لأن فيه نارًا، بل لأن فيه نورًا.
ولأن كل ما بنته قلاع الأنا يتهاوى فيه بلحظة واحدة: حين يقول الواقف “لا إله إلا الله”… لا كما يقولها كل يوم، بل كما يقولها العائد بعد التيه، والناجي بعد الغرق، والطفل بعد الضياع.

إن عظمة هذا اليوم لا تكمن في ازدحام الأجساد، بل في تفريغ القلوب.
ولا في عدد الخطى، بل في اتجاهها: نحو اللاشيء الذي هو كل شيء،
نحو الغيب، نحو النور، نحو الحقيقة التي فقدناها حين قررنا أن نُسَمّي كل شيء إلا أنفسنا.

الإنسان في عرفة يعود إلى ذاته، لا ليمجّدها، بل ليفضحها…
يعترف، ينكسر، يذوب، ويعود…
ليس بشهادة الحج، بل بشهادة الخلاص من نفسه.

في عرفة، لا توجد خطابات… بل صمتٌ كونيّ.
صمتٌ يقول أكثر مما تقوله كل المواعظ.
صمتٌ لا يُترجم، بل يُبكى.
حتى الكلمات تصبح غير صالحة،
وحتى الأدعية، حين لا تخرج من النَفَس، تصبح عبئًا.
إنه الصمت الذي تُحبّه الملائكة،
الصمت الذي تفرح به السماء،
الصمت الذي يعلّم الإنسان أن الحديث مع الله لا يحتاج صوتًا،
بل قلبًا حيًّا.

إنه اليوم الذي تُجرَّد فيه الأرض من زيفها.
تتعرّى فيه الحضارة من بهرَجها.
تتخلّى فيه الدول عن أعلامها.
تسقط فيه السياسة، والاقتصاد، والاحتلال، والثقافة، والمذاهب، والتاريخ…
وتبقى فقط حقيقة واحدة:
“لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.”

هل لاحظت؟
لا “نحن”، لا “أنا”، لا “هو”، لا “أنت”…
بل “هو فقط”.
الخطاب فيه توحيد خالص.
إنها جملة ليس فيها مقام، ولا درجة، ولا وسيلة.
جملة تعني أنك خرجت من كل الحلقات،
ودخلت إلى النواة.

عرفة هو اليوم الذي إن لم تعرف فيه نفسك، فلن تعرفها بعدها.
اليوم الذي إن لم تبكِ فيه، فابكِ على قلبك.

الوقوف فيه ليس بين الناس، بل بين يدي الحقيقة.
والمغفرة فيه ليست وعدًا، بل حقيقة،
لمن حضر… بقلبه، لا بجسده فقط.

أيها الحاج…
حين تقف هناك، لا تنظر إلى الجبل، بل إلى داخلك.
فالجبل لا يشهد لك…
لكن دموعك تفعل.

وأيها الإنسان، حيثما كنت…
إن لم تستطع أن تكون في عرفة، فليكن عرفة فيك.
ابحث عن اللحظة التي لا يكون فيها معك إلا الله…
واجعل منها عرفة.

لأن هذا اليوم، في النهاية…
ليس للحجاج فقط.
بل لكل قلبٍ ما زال قادرًا على أن يعترف.

إلى الذين لم يقفوا في عرفة… ولكن قلوبهم وقفت
أيها الواقفون خارج عرفة،
يا من لم تأخذكم قوافل الحج، ولم تلامس أقدامكم تراب الموقف،
لكنّ أرواحكم منذ طلوع الفجر اليوم بدأت تُهاجر داخليًّا نحو شيءٍ لا يُرى…

أنتم لستم غائبين.
بل أنتم الحاضرون بالغيب.
وإن لم تُكتب أسماؤكم في سجلات الطواف والسعي والوقوف،
فإنها قد تكون ممهورةً في سجلاتٍ أعلى، حيث تُكتب النوايا قبل الأقدام،
والدموع قبل الخطى،
والأشواق قبل التذاكر.

إن الله لا يحجب أنواره بالمسافات،
ولا يقيس القرب بالكيلومترات،
بل يقيسه بحجم التوحيد في الصدر،
وبحجم التوق إلى “الوقوف” ولو بين جدران الغرفة، أو في زاوية مكتبة، أو على سرير المستشفى، أو خلف جدران السجون.

ألم تسمع أن “الحج عرفة”؟
وأن “الوقوف” هو كل الشعيرة؟
إذًا، من وقف بقلبه وصدقه وخشيته، فقد حجّ وإن لم يحجّ.

قف الآن… حيث أنت.
قف كما وقف آدم،
كما بكى إبراهيم،
كما نادى يونس،
كما نطق محمد ﷺ:
“لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.”

قلها…
قلها بعمق من تاه عن الطريق ثم وجده،
بألم من حمل نفسه فوق ما تطيق،
بصدق من لم يعد يريد شيئًا من الدنيا إلا الله.

قف…
دون ملابس إحرام، لكن بتجريد النية.
دون طواف، لكن بدوران الفكر حول معنى الخلق.
دون زحام، لكن بخشوع يملأ الكون.

ألم تكن عرفة لحظةً خُلقت قبل المكان؟
إذًا هي لحظة تسكنك،
تنتظرك،
تريد منك فقط أن تقول: أنا عبدك… ولو لم أكن في أرضك، فأنا في رحمتك.

عرفة… حين يلتقي أول الخلق بآخره
حين خُلِق الإنسان، لم يُترك سدى.
وكل لحظة عظيمة في حياته، كُتبت في اللوح قبل أن تُكتَب في التقويم.
وعرفة، ليست مجرّد يومٍ في العام، بل كلمة من كلمات الله أُسقطت في الزمن لتُبعث فينا المعنى.

إنه الموعد السنوي بين العبد وربه.
الموعد الذي لا يُشترط فيه لباس، ولا لغة، ولا جنسية، ولا زمان ثابت…
بل يُشترط فيه شيء واحد فقط: أن تعترف.

أن تعترف أنك ضللت الطريق مرارًا،
وأنك أحببت غيره، وسجدت لما لا يُسجَد له،
وأنك نسيت من أين أتيت…
وأنك اليوم، تريد أن تعود.

إن لم تكن في عرفة، فلتجعل من قلبك عرفة.
ولتبكِ كما بكى آدم.
ولتُقر كما أقرّت الأرواح أول مرة:
“بلى، شهدنا.”

ولتُعلِن انتماءك النهائي:
لا إلى قبيلة،
ولا إلى مذهب،
ولا إلى لون،
بل إلى التوحيد الخالص.

ولتفهم أخيرًا أن العالم سينتهي يومًا،
وأنك حين تموت، ستقف كما يقف الحجيج،
عاريًا، حافيًا، صامتًا…
لا تسأل عن شيء، بل يُسأل عنك.

وساعتها، إن عرفت عرفة…
فلن تخف.

وإن كنت قد ذُبت في “لا إله إلا الله”،
فستنجو.

وإن كنت قد وقفت هناك، ولو مرة، بينك وبين الله،
فإن الله لا ينسى.

فيا من لم يحج…
لا تأسَ، فرب الحج ليس في مكة فقط،
رب الحج في صدرك.
في سجدة تُخلع فيها عنك كل شيء إلا ذُلّك،
في دعاء تخرّ فيه دمعتك قبل لسانك،
في “لا إله إلا الله” تقولها كما لم تقلها من قبل.

ويا من حجّ…
إيّاك أن تعود من عرفات كما جئت،
فقد وقفت في الموضع الذي وقف فيه الأنبياء،
فلا تكن بعده كما كنت قبله.

ويامن تقرأ الآن…
اجعل من هذا اليوم مرآة،
واجعل من نفسك كتابًا،
واكتب فيه جملة واحدة:
“اللهم لا تجعلني أغادر عرفة حتى أعود إليك.”

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )