المساء اليوم – أ. مرادي:
أقيم بالمقبرة العسكرية الأوروبية ببنمسيك بالدار البيضاء، حفل جرى خلاله تكريم الجنود المسلمين، الذين ضحوا بأنفسهم من أجل فرنسا خلال هذه الحرب العالمية الأولى. وجرى هذا الحفل، الخميس، بحضور السلطات المحلية وممثلي سفارات أجنبية بالمغرب، وجنود سابقين دافعوا عن فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى.
وسلمت سفيرة فرنسا بالمغرب، هيلين لوغال، “صليب المقاتل” (croix du combattant) نيابة عن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي، إلى محامد الرحالي، وهو جندي سابق. وقالت السفيرة لوغال، إنه “في هذا اليوم، نتذكر أولئك الذين قاتلوا من أجل فرنسا بين سنتي 1914 و1918، والذين سقطوا في ميدان الشرف على جميع الجبهات، الشرقية والغربية”.
وأضافت السفيرة أن “الأسماء المحفورة على نصبنا التذكارية، تذكر دائما بقيم الشرف والتفاني والشجاعة “، مشيرة إلى أن هذه الأسماء تذكرنا أيضا بمن سقطوا في ساحات المعارك.ك ما أشادت لوغال بتضحيات 40 ألف جندي مغربي شاركوا في هذه الحرب، من بينهم 11 ألف جندي لم يعودوا أبدا، مستحضرة أيضا جنود الدول الحليفة والصديقة الذين خاضوا نفس المعارك. وخاضت فرنسا أغلب معاركها الكبرى مستعينة بجنود من مستعمراتها السابقة، سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو حرب الهند الصينية، حيث قتل مئات الآلاف من هؤلاء الجنود من أجل مصالح فرنسية.
وعلى الرغم من أن أغلب الجنود الذين دافعوا عن فرنسا هم أفارقة، إلا أن فرنسا استمرت تنهب ثروات إفريقيا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا تزال الانتقادات توجه إلى باريس كونها مستمرة في نهب ثروات مستعمراتها “السابقة”. وكان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند قد حيا في نونبر 2014 عند الاحتفال بالذكرى المئوية لانطلاق الحرب العالمية الأولى دور الجنود الأفارقة “الذين شاركوا في حرب كان يمكن ألا تكون حربهم”. ورغم ذلك الاعتراف الرسمي، تبقى مشاركة هؤلاء المقاتلين غير معروفة بشكل جيد.
أما الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون فأشار إلى دورهم في الحرب العالمية الثانية، ففي كلمة ألقاها في 2018 بمناسبة ذكرى تحرير بعض مناطق جنوب فرنسا في صيف 1944، قال: “جنود، جاء أغلبهم من السنغال والمغرب (العربي) ليموتوا على سواحلنا من أجل تحرير بلادنا”. وخلال الحرب العالمية الأولى، دعي أكثر من 600 ألف جندي من المستعمرات للقتال على كل الجبهات، وكان نصفهم مغاربيين. وكان المؤرخ جان مارتان قد ذكر بأن “فرق المستعمرات لعبت دورا داعما خلال الحرب العالمية الأولى، كان حاسما ولكنه أقل مما كان عليه في الحرب العالمية الثانية لكن لا يستهان به”. وفي المجمل شارك 300 ألف جندي مغاربي في الحرب العالمية الأولى.
ورغم نقص التجربة، سرعان ما تميز جنود شمال أفريقيا بحسهم القتالي. وتابع المؤرخ المختص في الحقبة الاستعمارية جان مارتان “تم الانتباه إلى أنه يمكنهم استخدام أسلحة تتطور شيئا فشيئا. لم يبخلوا بشجاعتهم”. وينسب إلى الماريشال فوش قوله عن معركة المارن “شاء الحظ أن تكون الفرقة المغربية متواجدة !” لكن كان للمغاربيين دور هام في هذه الحرب. ففي تاريخ الفوج الأول لجنود المستعمرات، يقدم لهم وزير الحرب ألكسندر ميلران أحر التهاني “هم منضبطون أمام النيران كما في المناورة، متحمسون في الهجوم، عنيدون في الدفاع عن مواقعهم حتى التضحية، متجاوزون التوقعات في قدرتهم على تحمل قساوة المناخ الشمالي، يعطون البرهان القاطع على قيمتهم الحربية”.
ولم يساهم المغرب العربي في جهود الحرب فقط على جبهة القتال، بل وأيضا عبر توفير يد عاملة بالآلاف في المصانع. ويوضح جان مرتان “يعود تاريخ الهجرة المغاربية إلى الحرب العالمية الأولى، فلم يكن يتجاوز قبلها عدد المغاربة في فرنسا 15 ألف”. وأرسل شمال أفريقيا لمدة أربع سنوات 180 ألف عامل إلى فرنسا وبقي العديد منهم هناك بعد نهاية النزاع. وستتشكل أولى الأحياء المغاربية التاريخية في فرنسا في ذلك الزمن على غرار “لاغوت دور” و”بوغرنال” في باريس و”فينيسيو” في ليون، وكانوا يعيشون في اوضاع جد مزرية.
وبحكم هذا الإسهام العسكري والاقتصادي، عرفت المجتمعات المغاربية تغييرات هامة في تك الفترة. فشعر “المحليون” في الجمهورية بأن دمهم سكب في قضية لم تكن قضيتهم واعتبروا أن من حقهم المطالبة بتعويضات. ويتابع المؤرخ “عندما عادوا إلى بلدانهم، أرادوا أن يعاملوا وكأنهم مواطنون فرنسيون. ولم يكن ذلك بعد من باب القومية لكن مطالبة بالمساواة”. إلا أن فرنسا، مدعومة بإمبراطوريتها، تجاهلت طويلا مساهمة هؤلاء الرجال المتحدرين من أفريقيا. فيقول المؤرخ “الكتب لا تذكر جنود المستعمرات. كانوا لا يرون ولا يفكر فيهم أحد. كان للفرنسيين رؤية ضيقة منحصرة في التراب الأوروبي. وربما أيضا أن فرنسا بدافع الشوفينية أرادت أن تجد بداخلها وحدها موارد النصر”.

