المساء اليوم – ع. الدامون
في وقت متزامن تقريبا، صنعت زاويتان بالمغرب الحدث وأصبحتا حديث كل الألسن، من طنجة إلى الكويرة، والحديث ليس إيجابيا بأية حال.
في مقر الزاوية العجيبية بشمال المغرب، وبالضبط في قرية الزميج بضواحي طنجة، أصبح شيخ الزاوية الشاب، المهدي بنعجيبة، حديث الكل بعد أن شوهد أحد المريدين وهو يرتمي على رجليه لتقبيلهما.
والمشكلة ليست في هذا المريد الذي استبد به الجهل والحماس في لحظة “الجذبة الصوفية”، بل غضب الناس أكثر على شيخ الزاوية الذي بدا لامباليا إزاء هذا المشهد، رغم أن مقربين منه قالوا إنه لم يتقبل ولن يتقبل أبدا هذا السلوك، لكن ما حدث قد حدث، والفاس جاتْ فالرّاسْ.
وقبل ذلك ببضعة ايام ظهرت مشاهد لصراع شرس داخل زاوية أو مسجد، تبادل فيه مريدو الزاوية البودشيشية كل أنواع اللكم والرفس، مع بعض فنون الكاراتيه والجيدو والتايكواندو، والسبب هو الصراع المزمن على قيادة الزاوية بين الشقيقين منير ومعاذ، بعد وفاة والدهما الشيخ جمال، وقبله بفترة قصيرة انتقل جدهما الشيخ حمزة، إلى رحمة الله، بعد أن قاد الزاوية لعقود بيد من حديد.. وحرير.
في الحالتين معا فإن الصورة تبدو حالكة، ومعها يردد الناس عبارة “الشيخ اللي نتسنّاو براكتو.. دخل للجامع ببلغتو..!”.
كما أن الزاوية العجيبية ينخرها أيضا صراع قوي بين الشقيقين المهدي وأحمد، وكلاهما “افتتحا” مقرين مختلفين لنفس الزاوية، وكل منهما تبنى المشيخة نكاية في أخيه.
هناك أمثلة مشابهة كثيرة في عدد كبير من زوايا المغرب، التي تقول الإحصائيات إن عددها بالآلاف، وكلها، أو أغلبيتها الساحقة تعتمد على عطايا المريدين وهبات الدولة، إلى درجة أن بعض شيوخ الزوايا صاروا يطوفون العالم أكثر من وزراء الخارجية، وفي كل رحلة يمارسون دور المنشار.. طالع واكل.. نازل واكل..!
وقبل ذلك عاين المغاربة “معارك الصناديق” في الزاوية المشيشية بجبل العلم، حيث يرقد الولي مولاي عبد السلام بن مشيش، الذي حارب الإسبان والبرطقيز طوال حياته، وأكل مما تزرعه يده، بينما “أحفاده” يتصارعون اليوم على صناديق الأعطيات والهبات.
أغلب الزوايا في المغرب نشأت من طرف أناس زهاد مخلصين وصادقين، قبل أن تمر السنون وتتحول إلى سجل تجاري يغدق على أصحابه المال الكثير، وأيضا الجاه والقرب من مراكز القرار.
هذه الأسباب هي التي جعلت الكثير من الزوايا تشبه إمارات الطوائف، تنشق عن نفسها بعد كل انشقاق، وكل منشق يأخذ نصيبه من المريدين والأعطيات، وكل من اعتلى المشيخة يرفع شعار “أنا.. ومن بعدي الطوفان”..!.
وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، ورغم الاختلاف معه في عدد من الأمور، إلا أنه يجب الاعتراف بأنه رجل مثقف وعلى دراية كبيرة بواقع الزوايا في المغرب، ويعرف جيدا حجم المال العام الذي يتم توزيعه كل عام على هذه الزوايا، التي صارت تعتمد بشكل كامل على “اقتصاد الريع”.
الوزير التوفيق، المنتمي فكرا وروحا للزاوية البودشيشية، أقوى الزوايا في المملكة، سبق أن كتب رسالة نارية “للشيخ” الجديد لهذه الزاوية، منير القادري، الذي نال المشيخة في ظروف مثيرة للجدل، مما أدخل الزاوية الأكبر في البلاد في حرب أهلية لا يبدو لنهايتها أفق.
في هذه الرسالة، عدّد الوزير كل أمراض هذه الزاوية، ووجه رسائل واضحة وأخرى مشفرة للشاب منير، وهي رسائل صادمة، تضمنت اتهامات غليظة كان ينبغي فتح تحقيق رسمي بشأنها، لأنها تتعلق بالمال العام وبسلوكات غير قانونية، لكن الرسالة بقيت حبيسة الرفوف، وبقيت الزاوية البودشيشية أيضا حبيسة الصراع الأرعن بين مريديها.
كنا نتمنى، على الأقل، أن تُوقف الدولة دعم هذه الزوايا فورا وتعمل على تجفيف منابع ثرواتها الهائلة، ليس لخنقها، فهي تقليد مغربي عريق، بل فقط لتحجيم انحرافاتها ولجم تحولها إلى شركات مساهمة..!
عموما، لا نعتقد أن صراع “العارفين بالله” سيتوقف قريبا، لأن أسباب الصراع لا تزال موجودة، لذلك نتمنى لو أن الدولة، وخصوصا وزارة الأوقاف، توقف فورا الهبات والأعطيات، حتى تتوقف هذه “الشوهة الصوفية” التي تضرب في الصميم مبدأ التصوف المغربي الحقيقي، الذي قاده زهّاد ومجاهدون كانوا يقفون في الصفوف الأمامية لمحاربة الاستعمار والظلم، ويزرعون بأيديهم ما يأكلونه، بينما اليوم يقف الشيوخ أمام أبواب الأبناك وقصور الأغنياء أكثر مما يقفون على أبواب زواياهم..!

