المساء اليوم – متابعات:
تقترب مدينة سبتة المحتلة من مرحلة صحية استثنائية، بعدما انتقل الجرب من حالات متفرقة إلى قضية أثارت جدلا داخل المؤسسات السياسية والعسكرية الإسبانية، في وقت تعيش فيه المدينة تحت ضغط غير مسبوق بسبب تداعيات موجة الهجرة الجماعية الأخيرة.
وأعلنت وزارة الدفاع الإسبانية تسجيل 24 حالة جرب بين عسكريين في سبتة، بالتزامن مع انتشار عناصر من الشرطة الوطنية الإسبانية تم إرسالهم من شبه الجزيرة لتعزيز الأجهزة الأمنية في المدينة.
وتأتي هذه الإصابات في ظرف شديد الحساسية، تتداخل فيه أزمة الهجرة مع ضغط كبير على البنية الصحية وظروف الإيواء.
وتحاول السلطات الإسبانية احتواء الوضع عبر إجراءات العلاج والوقاية، فيما فتحت الإصابات داخل صفوف القوات المعززة نقاشا حول ظروف إقامتها ومدى جاهزية المنشآت التي استقبلت أعدادا إضافية من العسكريين ورجال الشرطة خلال فترة الاستنفار.
ورغم أن وزارة الدفاع الإسبانية تنفي وجود دليل يربط إصابات العسكريين مباشرة بالمهاجرين، وتؤكد أن بعض الحالات سبقت موجة الوصول الجماعي، فإن ظهور الجرب داخل صفوف القوات التي جرى استقدامها إلى سبتة يفرض التعامل مع الملف باعتباره أزمة صحية تتطلب تحقيقا وبائيا دقيقا، لا مجرد تبادل الاتهامات.
وتزداد حساسية القضية بعدما دخلت فكرة الحجر الصحي إلى النقاش السياسي الإسباني. فقد ارتفعت أصوات تطالب بإجراءات أكثر صرامة لمواجهة الوضع الصحي، بينما رفضت الحكومة الإسبانية فرض حجر شامل، معتبرة أن المعطيات الحالية لا تستدعي اللجوء إلى هذا الإجراء.
غير أن مجرد طرح الحجر الصحي على طاولة النقاش يكشف حجم القلق الذي باتت تثيره الأزمة. فسبتة لم تعد تواجه أزمة أمنية ومعضلة هجرة فقط، وإنما أصبحت أمام اختبار صحي حقيقي يضع الإدارة الإسبانية أمام مسؤولية توفير شروط الوقاية والعلاج والإيواء للقوات والسكان والوافدين على حد سواء.
وفي هذا السياق، أصبح من الصعب فصل الأزمة الصحية عن طريقة إدارة حالة الاستنفار التي عرفتها المدينة. فاستقدام وحدات إضافية من الجيش والشرطة من إسبانيا أدى إلى ارتفاع أعداد الأشخاص الموجودين في منشآت محددة، في وقت أثارت فيه ظروف الإقامة انتقادات من أوساط عسكرية.
ولا يعني ذلك أن هذه القوات هي مصدر العدوى، إذ لا توجد حتى الآن معطيات طبية تثبت ذلك، لكنه يجعل ظروف الإيواء والوقاية جزءا أساسيا من التحقيق في كيفية انتشار المرض.
كما أن اختزال المشكلة الصحية في المهاجرين وحدهم سيكون تبسيطا للواقع. فالجرب مرض معد ينتقل عبر الاحتكاك القريب، ويمكن أن ينتشر في البيئات المكتظة أو التي تفتقر إلى شروط النظافة المناسبة، ولذلك فإن تحديد مصدر العدوى يحتاج إلى فحوصات وتحقيق وبائي، وليس إلى روايات سياسية جاهزة.
وتكشف أزمة الجرب، بهذا المعنى، جانبا آخر من الأزمة التي تعيشها سبتة المحتلة. فبعد أن كانت المدينة مركزا لتدبير أزمة أمنية، أصبحت الآن أمام تحد صحي يفرض على مدريد اتخاذ قرارات دقيقة بين إجراءات الوقاية والعزل الفردي من جهة، وبين المطالب السياسية بالحجر الصحي من جهة أخرى.
وإذا استمرت الإصابات في الارتفاع أو ظهرت بؤر جديدة، فقد يتحول النقاش الحالي حول الحجر من مجرد مطلب سياسي إلى ضغط متزايد على الحكومة الإسبانية لاتخاذ إجراءات أشد.
أما في الوقت الراهن، فلا يزال الحجر الشامل غير مطبق، وتبقى الأولوية المعلنة هي احتواء الإصابات وتحديد مصادرها وتحسين ظروف الإقامة.

