المساء اليوم – هيئة التحرير:
لم يسبق لإسبانيا، أو وسائل الإعلام الإسبانية على وجه التحديد، أن اهتمت يوما باحتفاء المغاربة بذكرى المولد النبوي، قبل أن تتحول هذه الذكرى إلى حدث كبير في إسبانيا.
ما جرى خلال الحفل الديني الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس، جعل الإسبان يعانون من صدمة تاريخية غير مسبوقة. فقد اكتشفوا، أخيرا، أن ثرثرتهم الأزلية عن “إسبانية سبتة ومليلية” مجرد خرافة.. خرافة ثقيلة الدم بكل ما في الكلمة من معنى.
على مدى زمن طويل ظل الإسبان يرددون سردية تاريخية على قدر كبير من الغباء، وهي أن سبتة ومليلية إسبانيتان قبل وجود دولة المغرب، وهذه سردية تحتاج إلى حمق كبير لقولها، لكنها تحتاج إلى حمق أكبر لتصديقها..!
فبحضور سفراء الدول الإسلامية المعتمدة في الرباط وأعضاء الحكومة المغربية والعديد من الشخصيات المدنية والعسكرية، كان لافتًا أن الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، أمام الملك تضمّنت إشارتين اثنتين، أولاهما تتعلق بمدينة سبتة، والأخرى بتوظيف المغاربة لكتاب ديني في دعائهم من أجل زوال الاحتلال البرتغالي أواخر القرن الخامس عشر.
واسترعت الإشارتان انتباه مراقبين، لاسيما وأن كلمة الوزير المغربي ـ رغم طابعها الديني المحض ـ جاءت في سياق أزمة سبتة التي لم تنته تداعياتها بعد، وأربكت حسابات الحكومة الإسبانية بشكل غير مسبوق.
وتحدّث الوزير التوفيق في كلمته التي بثها التلفزيون المغربي، عن اسمين بارزين من مدينة سبتة، هما القاضي والمؤرخ وعالم الدين «القاضي عياض» (المولود عام 1083 والمتوفى عام 1149) الشهير بكتاب «الشفا»، ثم القاضي والفقيه والكاتب «أبو العباس أحمد العَزَفي السبتي» (1162 ـ 1236) الذي ألّف كتابًا سمّاه «الدّر المنظّم في مولد النبي المعظم»، لكنه توفي قبل أن يكمله، فأتمه ابنه «أبو القاسم» أمير سبتة.
بعد ذلك انتقل وزير الأوقاف إلى الحديث عن كتاب «دلائل الخيرات» للإمام الصوفي محمد بن سليمان الجزولي (1404 ـ 1465)، قائلاً إن هذا الكتاب «كان شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث».
والجدير بالذكر أن كتاب «دلائل الخيرات» يعدّ أحد أبرز الكتب الدينية المتداولة في البيئة الصوفية المغربية، واكتسب حضورًا رمزيًا في ثقافة التعبئة الدينية التي رافقت مقاومة الاحتلال البرتغالي والإسباني للسواحل المغربية منذ أواخر القرن الخامس عشر.
هذه الإشارات البسيطة، لكنها عميقة، تجعلنا نذكّر جيراننا الإسبان بالحكمة المغربية التي تقول “اللي كيْحسب بُوحدو كيْشيط ليه”، ومعناها واضح لدى المغاربة، لكننا نحتاج لبعض الجهد لتفسيرها لجيراننا.
المعنى العميق لهذه الحكمة هي أن من يحاور نفسه يعتقد دائما أنه على حق، لذلك ظل الإسبان دائما يحاورون أنفسهم في موضوع سبتة ومليلية، لذلك اعتقدوا دائما أنفسهم على حق.
لقد ظل الإسبان يمارسون “المونولوغ السياسي” بخصوص سبتة ومليلية وباقي الثغور المحتلة ويرددون ما يريدون هم أن يسمعوه، لذلك كانت صدمتهم قوية وهم يتابعون كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أمام الملك في حفل ذكرى المولد النبوي الشريف، ولم يقبلوا سماع حقائق تاريخية ثابتة بوجود علماء مغاربة أفذاذ من كل الميادين ولدوا في سبتة وحملوا اسمها وجالوا الآفاق كمغاربة أقحاح.
لم يفهم الإسبان تاريخ جهاد المغاربة من أجل تحرير الثغور المحتلة، ولم يستوعبوا أن الدولة المغربية أعرق بكثير من إسبانيا، التي ولدت فقط قبل بضعة قرون، وبالضبط بعد سقوط غرناطة وإبادة وتشتيت الشعب الأندلسي في كل الأصقاع.
لا يعترف الإسبان أن احتلال سبتة ومليلية جاء فقط بسبب الخوف الإسباني المزمن من الدولة المغربية التي هبت أكثر من مرة لنجدة الأندلسيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، وتم احتلال سبتة ومليلية وباقي الثغور فقط لجعلها “كاميرات مراقبة” متقدمة لتجنب قيام المغرب بحملة عسكرية لاستعادة الأندلس.
لا يستوعب الإسبان تاريخ السفراء المغاربة في بلدان وممالك أوربا والاتفاقيات الدولية بين السلاطين المغاربة والكثير من دول العالم، أيام لم تكن إسبانيا موجودة في الأصل.
لا يريد الإسبان سماع أن المغرب أول بلد في العالم اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يريدون فهم كيف أن أساطيل المغرب كانت تهمين على بحار شاسعة، بدءا من المتوسط ووصول إلى الكاريبي، وصولا إلى شمال أوربا.
لا يريد الإسبان سماع شيء عن الشريف الإدريسي السبتي المغربي، أول من رسم خارطة العالم، والرجل الذي قضى سنوات يجوب العالم وتناقل الكثير من الرسائل بين البلاط المغربي وممالك أوربية.
لا يريد الإسبان سماع أي شيء عن كون المغرب كان السبب المباشر في زوال العرش البرتغالي لمدة مائة عام بعد الهزيمة المذلة للجيش البرتغالي في معركة وادي المخازن، التي قادها شخصيا السلطان المغربي عبد الملك، وشقيقه أحمد المنصور.
عموما، لا يريد الإسبان سماع شيء باستثناء أن المغرب وُجد فقط بعد 1956، بعد أربعة عقود فقط من استعمار فرنسي وإسباني قصير مر كلمح البصر، هيمنت فيه إسبانيا على شمال وجنوب المغرب، وفرنسا على وسطه. بل إنهم لا يريدون الاعتراف أنهم وقعوا اتفاقية “الحماية” في الجزيرة الخضراء مع الدولة المغربية.. مع من تم توقيعها إذن..!؟
في كل الأحوال.. نستعيد قول مفكرين إسبان مشاهير قالوا إنه وسط دماغ كل سياسي إسباني توجد نسخة من “دون كيشوط”..!

