المساء اليوم – هيئة التحرير:
عادة ما يستشهد عبد الإله بنكيران، الزعيم المطلق لحزب العدالة والتنمية، بالآيات القرآنية لتبيان أنه على حق، أو على الأقل لكي يوصل رسالة إلى المغاربة تفيد بأنه المؤمن الأبرز في هذه البلاد، وأن حزبه هو الحارس الأمين على أخلاق وتديّن الناس.
لا يلتوي لسان بنكيران وهو يقول الشيء ونقيضه في آن، ولا يحس بذرة خجل حين يعترف بأنه هو نفسه، ولا أحد غيره، كان السبب في الكثير جدا من الموبقات حين كان رئيسا للحكومة، موبقات لا يزال المغاربة يعانون تبعاتها الكارثية إلى اليوم، بدءا بتحرير أسعار المحروقات ومرورا بصناديق المقاصة والتقاعد، وانتهاء بقوانين الإضراب والاقتطاعات، وهلم جرا.
اليوم، وهو يحتفي بعودة حزبه المظفرة إلى البرلمان بخمسة وخمسين برلمانيا، لا يتوقف بنكيران عن التلويح بعصاه السحرية ضد كل من يعارضه. يهاجم الجميع ويتنمر حتى على أقرب مقربيه، الذين كان لهم دور كبير في إنشاء وبناء حزب العدالة والتنمية. يهاجم الذين غادروا والذين بقوا، وينهش حتى الذين اختاروا التموقع في المنزلة بين المنزلتين، لا هم داخل الحزب.. ولا هم خارجه.
يجلس بنكيران في زاويته المفضلة في “صالونه السياسي” ويعطي الدروس والنصائح للجميع، حتى الصحافيين الذين ينتقدونه لا يسلمون من شر لسانه السليط. بل يقطر الشمع حتى على أولئك الذين ناصروا حزبه بحماس كبير، وأحيانا بتهور، ولم يشفع لهم ذلك عند أول انتقاد لهم للشيخ بنكيران.
في كل هذا لا يبدو الشيخ بنكيران مهتما جدا بآراء مريديه، الذين يعاملهم معاملة القطيع، فهو الشيخ المنزه عن الخطأ، وهم الأتباع الذين ينبغي أن يقولوا آمين.. وأن يصفقوا له.. حتى عندما يأمرهم برميه بالحجارة..!
بنكيران الذي ورث تقاعدا استثنائيا بمرتبة وزير أبدي، مع امتيازات أخرى كثيرة، لديه وصفة سحرية لكل مشاكل المغاربة مع ضنك العيش وغلاء الأسعار، والحل هو “العقيدة”.. فالعقيدة أهم من اللحم والجزر والبطاطا والآفوكا والسمك والخبز. وعندما تصح العقيدة، تشبع البطن ويقفز “السّميك” إلى عنان السماء..!
في كل هذا يبدو بنكيران شبيها بزعماء تلك الطوائف الدينية السرية أو شبه السرية التي يتحول أتباعها إلى أشخاص مفقودي الإرادة ومسلوبي، ينتظرون أدنى إشارة من زعمائهم لكي ينفذوا الأوامر من دون نقاش.. ولا حتى من دون تفكير، لأنه عندما يفكر الشيخ، تتعطل عقول المريدين. فعندما يحكم بنكيران فإنه مظلوم، وعندما لا يحكم فإنه مظلوم أيضا. لقد حول مظلمته إلى ظلام دامس يعيش فيها هو وأتباعه، فهو الرجل الذي أنقذ المغرب، وهو السوبرمان الذي أخرج البلاد من عنق الزجاجة، وهو البطل الأسطوري الذي لولاه لدخلت البلاد في متاهة بلا نهاية.
يعرف بنكيران أن موجة الغلاء التي تكوي جيوب الناس حاليا هو السبب الرئيسي فيها، لكن ذلك لا يهم، بل إنه يفخر بذلك ويردده أمام أتباعه الذين ينتشون ويصفقون.. وأيضا يضحكون.. إنه الوحيد الذي يستطيع إقناعهم بأن هناك ما هو أهم بكثير من اللحم، هناك العقيدة…!
في كل حياته السياسية والدعوية ردد بنكيران الكثير جدا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لكنه، ربما، لم يتذكر الآية القرآنية “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”… آية تأتي بالعبادة ثالثة بعد الأمن الغذائي والأمن العام.. فلا تستقيم العقيدة أبدا مع الجوع والخوف.
لكن مشكلة بنكيران ليست فقط في أفكاره، بل في سلوكه الذي يدل على أن الرجل صار منفصلا عن الواقع. لقد انعزل في برجه العاجي وتحول إلى عطّار سياسي يبيع النظريات والأوهام وصكوك الغفران.. لا يهمه الغلاء ولا ضنك العيش ولا “السّميك” ولا التقاعد ولا .. ولا. ففي البداية والنهاية العقيدة أهم من اللحم.. والسبب بسيط.. لأن بنكيران ربح اللحم والعقيدة معا..!

